تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٥
حلّ بهم.
بحثنا يبدأ بقوله تعالى: (وإنّ لوطاً لمن المرسلين).
وبعد هذا البيان الإجمالي يعمد القرآن إلى التفصيل ويبيّن جوانب من قصّة لوط، حيث قال: تذكر تلك الفترة الزمنية التي أنقذنا فيها لوطاً وأهله (إذ نجّيناه وأهله أجمعين).
عدا زوجته العجوز التي جعلناها مع من بقي في العذاب (إلاّ عجوزاً في الغابرين)[١].
(ثمّ دمّرنا الآخرين).
الجمل القصيرة ـ التي وردت أعلاه ـ تشير إلى تأريخ قوم لوط المليء بالحوادث، والتي ورد شرحها في سور (هود) و (الشعراء) و (العنكبوت).
«لوط» كسائر الأنبياء بدأ دعوته بتوحيد الله، ثمّ عمد إلى الجهاد ضدّ الفساد الموجود في المجتمع المحيط به، خاصّة ذلك الإنحراف الخلقي المعروف باللواط، والذي ظلّ كوصمة عار لقوم لوط على طول التاريخ.
فهذا النّبي العظيم عانى المرارة مع قومه، وبذل كلّ ما يمتلك من جهد لإصلاح قومه المنحرفين، ومنعهم من الإستمرار في ممارسة عملهم القبيح، ولكن جهوده لم تسفر عن شيء. وعندما شاهد أنّ أفراد قلائل آمنوا به، قرّر إنقاذ نفسه وإنقاذهم من المحيط الفاسد الذي يعيشون فيه.
وفي نهاية الأمر فقد لوط الأمل في إصلاح قومه وعمد إلى الدعاء عليهم، حيث طلب من الله سبحانه وتعالى إنقاذه وعائلته، فإستجاب الباري عزّوجلّ لدعائه وأنقذه وعائلته مع تلك الصفوة القليلة التي آمنت به، عدا زوجته العجوز
[١] ـ (غابر) من مادّة (غبور) على وزن (عبور) وتعني بقايا الشيء، فعندما تتحرّك مجموعة من مكان ما ويبقى أحد أفرادها هناك يقال له (غابر) ولهذا السبب يقال لما يتبقّى من التراب (غبار)، ولما تبقّى من الحليب في الثدي (غبرة) على وزن (لقمة).