تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٨
٢ ـ السدود من الأمام والخلف
طرح بعض المفسّرين هذا السؤال، وهو أنّ المانع الأساسي من إستمرار الحركة هو السدّ الذي يكون أمام الإنسان، فما معنى السدّ من الخلف؟
وأجاب بعضهم قائلا: «إنّ الإنسان له هداية فطرية ووجدانية ـ وهداية نظرية إستدلالية ـ فكأنّه تعالى يقول: «جعلنا من بين أيديهم سدّاً» أي: حرمناهم من سلوك سبيل الهداية النظرية «وجعلنا من خلفهم سدّاً» أي: منعناهم من العودة إلى الهداية الفطرية[١].
وقال البعض الآخر: انّ السدّ من بين أيديهم إشارة إلى الموانع التي تمنعهم من الوصول إلى الآخرة وسلوك طريق السعادة الخالدة، وأمّا السدّ من خلفهم فهو الذي يصدّهم عن تحصيل السعادة الدنيوية[٢].
كذلك يحتمل التّفسير التالي أيضاً، وهو إنّ السالك إذا انسدّ الطريق الذي قدّامه فقد فاته المقصد ولكنّه يرجع ليبحث عن طريق آخر يوصله إلى المقصد، فإذا أغلق الطريق من خلفه ومن قدّامه فسوف يكون محروماً من الوصول إلى المقصد حتماً.
وفي الثنايا يتّضح الجواب أيضاً على السؤال التالي: وهو لماذا لم يذكر السدود عن اليمين والشمال؟ ذلك لأنّ الإنسان لا يصل إلى المقصد الذي أمامه بالسير يميناً أو شمالا، إضافةً إلى أنّ السدّ عادةً يبنى في مكان يكون طرفاه الأيمن والأيسر مغلقين، والممر الوحيد هو مكان السدّ الذي ينغلق هو الآخر بوجوده، فيكون الإنسان في حصار كامل عمليّاً.
٣ ـ الحرمان من السير الآفاقي والأنفسيهناك طريقان معروفان لمعرفة الله، الأوّل التأمّل والتفكّر في آثار الله في جسم
[١] ـ تفسير الفخر الرازي الكبير، تفسير الآيات مورد البحث مجلّد ٢٦، لكن ما اسم هذه القرية أو المدينة التي ذُكرت في هذه الآية؟
المشهور بين المفسّرين أنّها «أنطاكية» إحدى مدن بلاد الشام. وهي إحدى المدن الرومية المشهورة قديماً، كما أنّها ضمن منطقة نفوذ تركيا جغرافياً في الحال الحاضر، وسنتعرض إلى تفصيل الحديث عنها في البحوث الآيتة إن شاء الله، وعلى كلّ حال فإنّه يظهر جيداً من آيات هذه السورة الكريمة أنّ أهل تلك المدينة كانوا يعبدون الأصنام، وأنّ هؤلاء الرسل جاؤوا يدعونهم إلى التوحيد ونبذ الشرك.
[١] ـ يعتقد البعض بأنّ «أصحاب القرية» مفعول أو للفعل «اضرب» و «مثلا» مفعول ثان مقدّم، والبعض يقول: إنّها بدل عن «مثلا»، ولكن الظاهر رجاحة الإحتمال الأوّل.