تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣١
ومن جانب آخر فإنّ وصف الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه (على صراط مستقيم)، بمعنى أنّ محتوى دعوته يتّضح من سبيله القويم، وماضيه أيضاً دليل على أنّه لم يسلك في حياته سوى الطريق المستقيم.
وقد أشرنا في البحوث التي أوردناها حول أدلّة حقّانية الرسل، إلى أنّ أحد أهمّ الطرق لإدراك حقّانية الرسل، هو التحقّق والإطلاع على محتوى دعواتهم بشكل دقيق، الأمر الذي يؤكّد دائماً أنّها متوافقة ومنسجمة مع الفطرة والعقل والوجدان، وقابلة للإدراك والتعقّل البشري، إضافةً إلى أنّ تأريخ حياة الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يدلّل على أنّه رجل أمانة وصدق، وليس رجل كذب وتزوير .. هذه الاُمور قرائن حيّة على كونه رسول الله، والآيات أعلاه في الحقيقة تشير إلى كلا المطلبين، وعليه فإنّ القسم والدعوى أعلاه لم يكونا بلا سبب أبداً.
ناهيك عن أنّه من حيث أدب المناظرة، فإنّه لأجل النفوذ في قلوب المنكرين والمعاندين يجب أن تكون العبارات في طرحها أكثر إحكاماً وحسماً ومصحوبة بتأكيد أقوى، كيما تستطيع التأثير في هؤلاء.
يبقى سؤال: وهو لماذا كان المخاطب في هذه الجملة شخص الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وليس المشركين أو عموم الناس؟
الجواب هو التأكيد على أنّك ياأيّها النّبي على الحقّ وعلى الصراط المستقيم، سواء إستجاب هؤلاء أو لم يستجيبوا، لذا فإنّ عليك الإجتهاد في تبليغ رسالتك العظيمة، ولا تُعِر المخالفين أدنى إهتمام.
الآية التالية تشرح الهدف الأصلي لنزول القرآن كما يلي (ولتنذر قوماً ما اُنذر آباؤهم فهم غافلون)(١) أي إنّه لم يأت نذير لآبائهم.
[١] ـ أعطى المفسّرون إحتمالات مختلفة حول كون «ما» نافية أو غير ذلك، أغلبهم قالوا بأنّها «نافية»، وقد إعتمدنا ذلك نحن في تفسيرنا، أوّلا: لأنّ جملة «فهم غافلون» دليل على ذلك المعنى، فعدم وجود المنذر سبب للغفلة.
الآية الثالثة من سورة السجدة ـ أيضاً ـ شاهد على ذلك، حيث يقول سبحانه وتعالى: (لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلّهم يهتدون).
وقال بعضهم بأنّ «ما» هنا موصولة، بحيث يكون معنى الجملة «لتنذر قوماً بالذي اُنذر آباؤهم».
وبعض احتملوا أنّ «ما» مصدرية، وعليه يكون معنى الجملة «لتنذر قوماً بنفس الإنذار الذي كان لآبائهم»، ولكن يبدو أنّ كلا الإحتمالين ضعيف.