أسطورة العبوسة - الماحوزي، أحمد - الصفحة ٣٣ - معنى الآيات وتحديد العابس
فحينما أهدر صلى الله عليه وآله دم عبد الله بن أبي سرح فبعد فتح مكة غيّبه عثمان حتى اطمأن الناس ثم أحضره عند رسول الله صلى الله عليه وآله وطلب له الأمان، فصمت رسول الله صلى الله صلى الله عليه وآله طويلاً ثم آمنه، فأسلم وعاد، فلما انصرف قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأصحابه: لقد صمت ليقتله أحدكم، فقال أحدهم: هلا أومأت إلينا ؟ فقال: ما كان للنبي أن يقتل بالإشارة إن الأنبياء لا يكون لهم خائنة الأعين [١].
الثاني: أن العابس كما تقدم هو المتصف بكونه متصدياً للأغنياء ولاهياً عن الفقراء والمؤمنين، والرسول الأكرم يجلّ أن كون خلقه كذلك، فلا فرق عنده بين العبد والسيد والعربي والأعجمي، بل عمدة المسلمين آنذاك كانوا من العبيد والمستضعفين، فكونه يَتصدى للأغنياء ويَتلهى عن الفقراء ليس من أخلاقه الكريمة العظيمة [٢] وعصمته المطلقة تأبى ذلك.
[١]الكامل في التاريخ: ١/١٦٦، تاريخ ابن خلدون: ٢/٤٦٠، تاريخ اليعقوبي: ٢/٦٠.
[٢]ولو قيل لمن أثبت أن العابس والمتصدي والمتولي هو الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: أنك ممن تتصدى للأغنياء وتتلهى عن الفقراء لَمَا قَبِلَ ذلك في حق نفسه ولو لمرة واحدة ولا نزعج من هذه النسبة، ولو أن مخبراً أخبرنا بأن المرجع الفلاني أو العالم الكذائي عبس في وجه بعض المؤمنين الفقراء وتلهى عنه، لنسبناه إلى الاشتباه أو كذبناه في دعواه، فكيف نقبل ذلك في حق نور الأنوار وحجة الجبار والآية المخزونة والرحمة الموصولة، الذي لولاه لما خلق الله السماوات والأرض، ولما خلق الأفلاك وبرأ النسمات، الموصوف في القرآن الكريم بالخلق العظيم والرحمة المبسوطة على العالمين جميعاً.