أصول الفقه- ط دفتر تبلیغات اسلامی - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٢٠٩
الشارع يتابع الناس في احكامهم متابعة مطلقة. (الخامس) - ومن الاسباب (العادة عند الناس)، كاعتيادهم احترام القادم - مثلا - بالقيام له، واحترام الضيف بالطعام، فيحكمون لاجل ذلك بحسن القيام للقادم واطعام الضيف. والعادات العامة كثيرة ومتنوعة، فقد تكون العادة تختص بأهل بلد أو قطر أو أمة، وقد تعم جميع الناس في جميع العصور أو في عصر. فتختلف لاجل ذلك القضايا التي يحكم بها بحسب العادة، فتكون مشهورة عند القوم الذين لهم تلك العادة دون غيرهم. وكما يمدح الناس المحافظين على العادات العامة يذمون المستهينين بها، سواء كانت العادة حسنة من ناحية عقلية أو عاطفية أو شرعية، أو سيئة قبيحة من احدى هذه النواحي: فتراهم يذمون من يرسل لحيته إذا اعتادوا حلقها ويذمون الحليق إذا اعتادوا ارسالها، وتراهم يذمون من يلبس غير المألوف عندهم لمجرد أنهم لم يعتادوا لبسه، بل ربما يسخرون به أو يعدونه مارقا. وهذا الحسن والقبح أيضا ليسا عقليين، بل ينبغي أن يسميا (عاديين) لان منشأهما العادة. وتسمى القضايا فيهما في عرف المناطقة (العاديات). ولذا لا يدخل أيضا هذا الحسن والقبح في محل النزاع. ولا نقول نحن - ايضا - بلزوم متابعة الشارع للناس في احكامهم هذه، لانهم لم يحكموا فيها بما هم عقلاء بل بما هم معتادون، أي بدافع العادة. نعم بعض العادات قد تكون موضوعا لحكم الشارع، مثل حكمه بحرمة لباس الشهرة، أي اللباس غير المعتاد لبسه عند الناس. ولكن هذا الحكم لا لاجل المتابعة لحكم الناس، بل لان مخالفة الناس في زيهم على وجه يثير فيهم السخرية والاشمئزاز فيه مفسدة موجبة لحرمة هذا اللباس شرعا، وهذا شئ آخر غير ما نحن فيه. * * * فتحصل من جميع ما ذكرنا - وقد أطلنا الكلام لغرض كشف الموضوع كشفا تاما - أنه ليس كل حسن وقبح بالمعنى الثالث موضوعا للنزاع مع الاشاعرة، بل خصوص ما كان سببه ادراك كمال الشئ أو نقصه على نحو كلى، وما كان سببه ادراك ملائمته أو عدمها على نحو كلى أيضا من جهة