مجمع البيان في تفسير القرآن - ط دار المعرفة - الشيخ الطبرسي - الصفحة ١٧١ - المعنى
(١) - تقديرها لأن الماضي لا يكون حالا و قد إنما يكون لتقريب العهد و لتقريب الحال فبدخوله يصلح أن يكون الفعل الماضي حالا.
المعنى
ثم عاد الله تعالى إلى الاحتجاج على الكفار في إنكارهم البعث و جحودهم لرسله و كتبه بما أنعم به عليهم فقال «كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللََّهِ» و من قال هو توبيخ قال معناه ويحكم كيف تكفرون كما يقال كيف تكفر نعمة فلان و قد أحسن إليك و من قال هو تعجب قال تقديره عجبا منكم على أي حال يقع منكم الكفر بالله مع الدلائل الظاهرة على وحدانيته و المعجزات القاهرة على صدق من اختصه برسالته و قيام الحجج الباهرة على وجوب طاعته و شكر نعمته ثم ذكر سبحانه بعض نعمه عليهم فقال «وَ كُنْتُمْ أَمْوََاتاً فَأَحْيََاكُمْ» أي و حالكم أنكم كنتم أمواتا و فيه وجوه (أحدها) أنهم كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم يعني نطفا فأحياهم الله ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها ثم أحياهم بعد الموت فهما حياتان و موتتان عن قتادة (و ثانيها) أن معناه لم تكونوا شيئا فخلقكم ثم يميتكم ثم يحييكم يوم القيامة عن ابن عباس و ابن مسعود (و ثالثها) أن معناه كنتم أمواتا يعني خاملي الذكر فأحياكم بالظهور ثم يميتكم عند تقضي آجالكم ثم يحييكم للبعث و العرب تسمي كل امرئ خامل ميتا و كل امرئ مشهور حيا كما قال أبو نخيلة السعدي
فأحييت من ذكري و ما كان خاملا # و لكن بعض الذكر أنبه من بعض
(و رابعها) أن معناه كنتم نطفا في أصلاب آبائكم و بطون أمهاتكم و النطفة موات فأخرجكم إلى دار الدنيا أحياء «ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ» في القبر للمسائلة «ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» أي يبعثكم يوم الحشر للحساب و المجازاة على الأعمال و سمي الحشر رجوعا إلى الله تعالى لأنه رجوع إلى حيث لا يكون أحد يتولى الحكم فيه غير الله كما يقال رجع أمر القوم إلى الأمير و لا يراد به الرجوع من مكان إلى مكان و إنما يراد به أن النظر صار له خاصة دون غيره و إنما بدأ الله تعالى بذكر الحياة و من بين سائر النعم التي أنعم بها على العبد لأن أول نعمة أنعم الله بها عليه خلقه إياه حيا لينفعه و بالحياة يتمكن الإنسان من الانتفاع و الالتذاذ و إنما عد الموت من النعم و هو يقطع النعم في الظاهر لأن الموت يقطع التكليف فيصل المكلف بعده إلى الثواب الدائم فهو من هذا الوجه نعمة و قيل إنما ذكر الموت لتمام الاحتجاجلا لكونه نعمة و في هذه الآية دلالة على أنه تعالى لم يرد من عباده الكفر و لا خلقه فيهم لأنه لو أراده منهم أو خلقه فيهم لم يجز أن يضيفه إليهم بقوله «كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللََّهِ» كما لا يجوز أن يقول لهم كيف أو لم كنتم طوالا أو قصارا و ما أشبه ذلك مما