مجمع البيان في تفسير القرآن - ط دار المعرفة - الشيخ الطبرسي - الصفحة ١٦٤ - الإعراب
(١) - مزيدة و معناها التوكيد كما في قوله «فَبِمََا رَحْمَةٍ مِنَ اَللََّهِ لِنْتَ لَهُمْ» و تقديره أن الله لا يستحي أن يضرب بعوضة مثلا أو مثلا بعوضة فيكون بعوضة مفعولا ثانيا ليضرب (و ثانيها) أن يكون ما نكرة مفسرة ببعوضة كما يكون نكرة موصوفة في قوله تعالى: «هََذََا مََا لَدَيَّ عَتِيدٌ» فيكون تقديره لا يستحيي أن يضرب مثلا شيئا من الأشياء بعوضة فتكون بعوضة بدلا من شيئا (و ثالثها) ما يحكى عن الفراء أن معناه ما بين بعوضة إلى ما فوقها كما يقال مطرنا ما زبالة إلى التعلبية و له عشرون ما ناقة فجملا و هي أحسن الناس ما قرنا فقدما يعنون ما بين في جميع ذلك و الاختيار عند البصريين الوجه الأول و إنما اختير هذا الوجه لأن ضرب هاهنا بمعنى جعل فجاز أن يتعدى إلى مفعولين و يدخل على المبتدأ و الخبر و في التنزيل ما يدل عليه و هو قوله تعالى: «إِنَّمََا مَثَلُ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا كَمََاءٍ أَنْزَلْنََاهُ مِنَ اَلسَّمََاءِ» فمثل الحياة مبتدأ و كماء خبره و في موضع آخر وَ اِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا كَمََاءٍ فدخل اضرب على المبتدأ و الخبر فصار بمنزلة قولك ظننت زيدا كعمرو و يجوز في الإعراب الرفع في بعوضة و إن لم تجز القراءة به و فيه وجهان (أحدهما) أن يكون خبرا لمبتدء محذوف في صلة ما فكأنه قال الذي هو بعوضة كقراءة من قرأ تماما على الذي أحسن بالرفع و هذا عند سيبويه ضعيف و هو في الذي أقوى لأن الذي أطول و ليس للذي مذهب غير الأسماء. (و الثاني) على الجواب كأنه لما قيل «إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مََا» قيل ما هو فقيل «بَعُوضَةً» أي بعوضة كما تقول مررت برجل زيد أي هو زيد فتكون ما على هذا الوجه نكرة مجردة من الصفة و الصلة و قوله «فَأَمَّا اَلَّذِينَ آمَنُوا» لغة العرب جميعا بالتشديد و كثير من بني تميم يقولون أيما فلان فيفعل كذا و أنشد بعضهم:
مبتلة هيفاء أيما وشاحها # فيجري و أيما الحجل منها فلا يجري
و هي كلمة تجيء في شيئين أو أشياء يفصل القول بينهما كقولك أما زيد فمحسن و أما عمرو فمسيء فزيد مبتدأ و محسن خبره و فيها معنى الشرط و الجزاء و تقديره مهما يكن من شيء فزيد محسن ثم أقيم أما مقام الشرط فيحصل أما فزيد محسن ثم أخر الفاء إلى الخبر لإصلاح اللفظ و لكراهة أن تقع الفاء التي للتعقيب في أول الكلام فقوله «اَلَّذِينَ آمَنُوا» على هذا يكون مبتدأ و يعلمون خبره و كذلك «اَلَّذِينَ كَفَرُوا» مبتدأ و يقولون خبره و قوله «مََا ذََا أَرََادَ اَللََّهُ بِهََذََا مَثَلاً» ما استفهام و هو اسم في موضع الرفع بالابتداء و ذا بمعنى الذي و صلته ما بعده و هو في موضع رفع بأنه خبر المبتدأ تقديره أي شيء الذي أراد