تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٩٠ - رثاؤه
و مجاملة الحساد، و التفكير في إرضاء فريق و النكاية بآخر، هى التي تملأ قلبه بالهم، و لا ننس ما أثّره بطبعه دور النكبة و قضية القلعة، فقد رأينا أنه أثّر حتى على خياله في النسيب، و فوق ذلك كله ما عرفنا من حاله القلقة مع القادر العباسي. و هذه الهموم النفسية هي التي أعدته للنبوغ في الرثاء فأحسن فيه ما شاء.
حقا إن الرثاء يكون للمجاملة كما يكون للعاطفة، و لكن بما ذا نفرق بين النوعين في شعره و المتانة فيهما على السواء؟لو لا ما نحسه من ظهور العواطف في هذا و تكلف الحزن في ذاك، و نجد رثاءه لأبيه فى ناحية و لبهاء الدولة في أخرى و لمثل ابن جني و ابن السيرافي في موضع ثالث، و كل وفّاه حقه بلا مواربة و لا ممالأة. و لعلنا مع التعمق و الروية نجد كافة مراثيه تتمثل فيها الأحزان النفسية بلا تكلف و تعمل، و في هذا تدليل على بعده عن المواربة فى رثائه، و ليس لنا ان ننكر عليه تفاوت مراثيه فى الإطراء و حسن الوصف، ما دام الرجال متفاوتين بالفضيلة و المزايا الحميدة، و بالحقوق على المؤبن، و إذا كان بهاء الدولة هو ذلك الملك العظيم المفضل عليه، فلا غرو إذا بالغ في الحزن عليه بقوله:
لقد جل قدر الرزء أن يبلغ البكا # مداه و لو أن القلوب دموع
و لو أن قلبي بعد يومك صخرة # لبان بها وجدا عليك صدوع
و هذا بالطبع تتجلى فيه العاطفة أكثر مما هي متجلية في غيره ممن ليس هو كبهاء الدولة و شرف الدولة بالعظمة و السلطان، و من بديع ما رثي به بعض الهاشميين من أسرته قوله: