تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ١٥ - مولده نشأته أسرته لابيه أسرته لامه
و لتأييد الأدلة على رفعة أبي احمد في نفسه، علينا أن نلتفت الى توليه إمارة الحج، التي لا يكفي في استلامها، و في القيام بالواجب من شئونها، أن يكون الأمير ذا جاه مستفاد و ذا قوّة مسلحة و مزوّدة بالمال و العتاد، فان هذا وحده لا يمكّن الأمير من قطع البوادي المترامية التي يتقلص عند التوغل بها نفوذ السلطان، و لا تنفع فيها القوة و المال مهما توفّرا، بل لا بد له مع ذلك ان يكون مهابا في نفسه و شجاعا ذائع الصيت، و ان يكون ذا كرامة شخصية و جاه واسع، و ذا صلات قويّة بسراة العرب المتنفذين بأقوامهم، في تلك البوادي و تلك المضائق و الشعاب، التي لا تجوزها قافلة تحمل الأزواد و الأمتعة إلاّ بخراج او إتاوة، او برجل يجير على كافة أهلها.
انا لا يهمني تحديد كرامة ابى احمد الاجتماعية، لو لا العبور منها الى تربية ولده، و قد أستدرك على نفسي الإطناب في استنتاجها من تلك المبادئ المرتبكة. و لكن لو حدّدنا كرامته بمفاخر الأسرة و مآثر البسالة و الفتوّة، و ما ينضاف الى ذلك من الترفع عن منازع الأطماع و الشموخ بغرر الأيادي، فقط، لكان كافيا في الحكم على تربية ولده الشريف بالصحة من كل ناحية؛ فكيف و قصيدته المستهلة بقوله: «وفوا بمواعيد الخليط و أخلفوا» توسّع الدائرة في كرامة أبيه إلى أبعد من ذلك الحد: ففي القصيدة سفاراته و توسطاته للاصلاح، و فيها حروبه و إماراته، و فيها ما في غيرها من مآثر الفتوة و البسالة و ما ينضاف إليها، و نحن إذا رأينا الشريف يمتن بأبيه كثيرا على شرف الدولة و بهاء الدولة،