تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٣٧ - تقشفه و نسكه
بقوانينه [١] . و الأرجح أن هذا هو معنى التقشف الذي ينسب اليه.
و إذا كانت الأمارات، و الترف، و الحضارة، و الثراء، لا تنفك في الأغلب عن اقتراف الجرائم، و غمط الحقوق، و التلاعب بالقوانين المدنية، و هتك نواميس الشرع الأقدس-فان الشريف لم يؤثر عنه إلا العفة المطلقة و الفتوة و المماشاة بوفاق مع المروءة و احترام النواميس كافة، حتى في مجالسه الخاصة؛ و نحن لتلك العزة و تلك الأنفة و المروءة نذعن لآخر نظرة أنه لم يقترف مأثما، و أن تلك الصفات و الملكات تكفه و تردعه بسهولة و بلا مقاسرة، عن المظالم التي تبتعد بالمروءة الى المطرح السحيق.
و فوق ذلك انا نعتقد عند ما ننظر فى شعره الى أمثال قوله:
شغلت بالمجد عما يستلذ به # و قائم الليل لا يلوي على السمر
أنه مع تمكنه من لذائذ الحياة بأكمل وجه قد أصبح محروما عن أكثرها، إيثارا للمروءة و صونا لكرامة العرض، و نزداد يقينا فى هذا لاحظنا أنه لم يستعمل المواربة في شعره، و لم يجالس الخلعاء و الظرفاء الذين يستخفون بالنواميس في أيام شبيبته، و أنه لذلك لم يصرف شيئا من شعره في فنون المهازل و المجون؛ فان هذا يدلنا على انه لم يعمل ما يعتذر عنه و لا يصانع أحدا سترا على نفسه، و لذا نجده و هو بمرصد من أعدائه لا يحفل أن يجاهر بمثل قوله:
عف السرائر لم تلطّ لريبة # يوما عليّ مغالقي و سجوفي
[١] ابن ابي الحديد في شرح النهج و غيره.