الفوائد الغروية - الرودسري، إبراهيم - الصفحة ٢٦ - كيفية حصول التعبد
و قيل كما عن الأشاعرة: إنه من باب جري العادة، فلا يمنع عقلا أن يتخلف العلم بالنتيجة عن العلم بالمقدمتين، و لا استلزام بينهما، إلا أن عادة اللّه تعالى جرى بإيجاد العلم بها بعد العلم بهما، لأنه لا مؤثر عندهم في الوجود سوى اللّه تعالى. فلم يفرقوا بين البرهان و الأمارة في جواز التخلف عقلا، إلا أنهم يقولون بالامتناع العادي في الأول دون الثاني.
و يؤيد القول الثالث ما ورد: من أن العلم ليس بكثرة التعلم بل هو نور يقذفه اللّه في قلب من يشاء. و من هنا يظهر وجه اعتبار قيد الاستلزام و عدمه في التعريف، فتبصر.
ثم لا خلاف في أن اختلاف القوم في «التفصيلية» و صفا للأدلة، إنما هو خلاف في أنه قيد احترازي أو توضيحي، فذهب الأكثر- على ما حكي عنهم- إلى الأول و إلا مخرج لعلم المقلد بالأحكام لكونه حاصلا من دليل إجمالي مطرد في جميع مسائله، و هو قوله: كلما أفتى به المفتي فهو حكم اللّه في حقي.
و ذهب المحقق القمي (قدس سره)- بعد النقض عليهم بوجود مثله للمجتهد و هو قوله: كلما أدى إليه ظني فهو حكم اللّه في حقي و حق مقلدي- إلى الثاني، و أن علم المقلد يخرج بنفس الإضافة، أي إضافة الأدلة إلى الأحكام المراد بها هي الأدلة المعهودة المستفادة من الإضافة.
لكن الصواب هو الأول، لأنه مضافا إلى الفرق بين الإجمالين، إذ التفصيل ملحوظ في علم المجتهد دون علم المقلد، لأن قوله «هذا ما أدى إليه ظني» ناظر إلى تفاصيل الأدلة و وجوه الدلالة و جهات الترجيح في كل مسألة مسألة، و إن عبر عنها بتلك العبارة الإجمالية، فإنها إجمال في الصورة و تفصيل في الحقيقة. بخلاف علم المقلد، فإنه ناش عن دليل إجمالي محض غير ملحوظ