الفوائد الغروية - الرودسري، إبراهيم - الصفحة ٥٧ - المقام الأول فيما إذا كان عاملا بالاحتياط في العبادة
الشرعية أيضا. و الأظهر هنا ما عن المشهور من التفصيل بين الموافق للواقع و المخالف له بالصحة في الأول دون الثاني، لما مرّ سابقا من أن العلم و الجهل لا مدخل لشيء منهما في صحتها، بمعنى تأثيرها و ترتب المسببات عليها، و أن المدار في صحتها و فسادها هو مطابقة الواقع و مخالفته، سواء صدرت عن الاجتهاد أو التقليد أو لا. من دون فرق بين صدور العقد أو الإيقاع ظانا بكونه سببا و بين الظن به بعد صدوره، لأنه طريق إلى الواقع لا أنه مقيد به، فافهم.
فما عن بعض من الفرق بينهما و الحكم بالصحة في الأول دون الثاني، مما لا وجه له جزما.
و توهم الفساد- أي فساد معاملة الجاهل نظرا إلى شكه في تأثير ما يوجبه من العقد أو الإيقاع فلا يتأتى منه قصد الإنشاء المعتبر فيهما- فاسد، لحصوله بقصد تحقق مضمون الصيغة كالانتقال و الزوجية في البيع و النكاح مثلا.
و في الفرائد: إنه يحصل مع العلم بفساد المعاملة أيضا كبيع الخمر و المغصوب و نحوهما فضلا عن الشك فيه، و هو كذلك.
بل لا فرق في صحة معاملة الجاهل إذا انكشفت الصحة بعد الصدور بين شكه في صحتها وقت صدورها و بين قطعه بفسادها، لما مر سابقا من أن صحتها و فسادها يدوران مدار الواقع و لا يتغيران بالعلم أو الجهل ظاهرا.
و يدل على ما ذكرنا ما ورد في براء بن معرور الأنصاري حين تطهّر بالماء من غير استناده إلى طريق معتبر، و أخذه من الشارع (عليه السلام) من قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [١] و قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم): فكنت أنت أول من صنع هذا أول التوابين و أول المتطهرين. و دلالته
[١]. سورة البقرة: ٢٢٢.