الشيعة في الإسلام - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٥٩ - بيان آخر
هذا هو البيان الظاهري للقرآن الكريم، و قد جاء مطابقا لفكر الإنسان الاجتماعي، لتكون فائدته أعمّ، و نطاقه أشمل.
أما الذين تعمّقوا في الحقائق، و لهم القدرة على فهم المعنى الباطني للقرآن الكريم، فهم يدركون الآيات القرآنية على مستوى أرفع من العامة. و القرآن الكريم، يلمح خلال تعابيره البسيطة أحيانا بالمعنى الباطني تلميحا.
فالقرآن الكريم بتعابيره المختلفة، يذكر إجمالا أنّ الطبيعة بجميع أجزائها، و الإنسان أحدها، في سيرها التكويني (نحو الكمال) تصير إلى الله تعالى، و سيأتي اليوم الذي تنتهي حركتها و سيرها، و تفقد إنيّتها و استقلالها كليا.
و الإنسان هو جزء من أجزاء هذا الكون، فإن طريق كماله الخاص يتم عن طريق الشعور و العلم، مسرعا في طريقه إلى الله تعالى، و اليوم الذي يختتم به هذا المسير، سيشاهد عيانا حقانية الله الأحد، و سيرى أن القدرة و الملك و كل صفة من صفات الكمال تنحصر في ذاته القدسية، و من هذا الطريق، ستتجلّى له حقيقة الأشياء كلها.
و هذا هو أول منزل و موقف من العالم الأبدي، فإذا كان الإنسان في هذه الدنيا، بإيمانه و عمله الصالح، أوجد ارتباطا و اتصالا بالله تعالى و استأنس به، و بالمقربين من عباده، سيحظى بسعادة لا توصف، و سيكون في جوار الله سبحانه، و يكون قرين الصالحين في العالم العلوي، و إذا ما كان ممن تربطهم علاقة وثيقة بهذه الدنيا الدنيئة، و لذائذها الزائلة، فقد قطع اتصاله بالعالم العلوي،