علم البديع - عبد العزيز عتيق - الصفحة ٩٩
و من أجل ذلك يجدر بنا أن ندرس كلا منها على حدة للخروج بصورة واضحة المعالم لكل فن من هذه الفنون البديعية الثلاثة. و الآن و قد تتبعنا تاريخ المبالغة و تطورها و فصلنا القول عن المبالغة بمعنى التبليغ، أو بمعنى الإفراط في وصف الشيء بالممكن القريب وقوعه عادة، فإننا نأتي على بعض أمثلة أخرى لها تزيدها وضوحا، ثم ننتقل إلى دراسة كل من الإغراق و الغلو على أنه فن بديعي مستقل بذاته.
فمن أمثلة المبالغة بمعنى التبليغ، أو بمعنى الإفراط في وصف الشيء بالممكن القريب وقوعه عادة، قوله تعالى في وصف أعمال الكافرين: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها.
فلو وقف الكلام عند أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ لكان المعنى تاما بليغا، و لكن ترادف الصفات بعد ذلك و الإفراط فيها أضاف للمعنى ظلالا زادت من درجة الهول الذي يطالعنا من خلال هذه الصورة التي لونتها المبالغة تلوينا يرفعها في البلاغة إلى ذروة الإعجاز.
و من الأمثلة أيضا قول ابن نباته السعدي في سيف الدولة:
لم يبق جودك لي شيئا أؤمله
تركتني أصحب الدنيا بلا أمل