علم البديع - عبد العزيز عتيق - الصفحة ٩٣
و من بعد قدامة جاء أبو هلال العسكري فعرّف المبالغة بقوله:
«المبالغة أن تبلغ بالمعنى أقصى غاياته، و أبعد نهاياته، و لا تقتصر في العبارة عنه على أدنى منازله و أقرب مراتبه، و مثاله من القرآن قول اللّه تعالى:
يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَ تَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَ تَرَى النَّاسَ سُكارى وَ ما هُمْ بِسُكارى. و لو قال: تذهل كل امرأة عن ولدها لكان بيانا حسنا و بلاغة كاملة، و إنما خصّ المرضعة للمبالغة، لأن المرضعة أشفق على ولدها لمعرفتها بحاجته إليها، و أشغف به لقربه منها و لزومها له، لا يفارقها ليلا و لا نهارا، و على حسب القرب تكون المحبة و الألف ...
و قوله تعالى: كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً، لو قال يحسبه الرائي لكان جيدا، و لكن لما أراد المبالغة ذكر الظمآن، لأن حاجته إلى الماء أشد، و هو على الماء أحرص «١».
و بعد أن أورد أبو هلال بعض أمثلة من الشعر للمبالغة، تحدث عن نوع آخر منها فقال: «و من المبالغة نوع آخر، و هو أن يذكر المتكلم حالا لوقف عليها أجزأته في غرضه منها، فيجاوز ذلك حتى يزيد في المعنى زيادة تؤكده، و يلحق به لاحقة تؤيده، كقول عمير التغلبي:
و نكرم جارنا ما دام فينا
و نتبعه الكرامة حيث مالا