علم البديع - عبد العزيز عتيق - الصفحة ٢٦
و الآن ما ذا عن فنون البديع في كتاب «العمدة» لابن رشيق، إن هذا الكتاب يتألف من جزءين يضمان نحو مائة باب حاول مصنفه أن يجمع فيها كل ما وقف عليه مما كتب عن صناعة الشعر و وسائله البيانية و البديعية، و عمله فيه، كما يفهم من الكلمة التي اقتبسناها من خطبة الكتاب، عمل جمع و تبويب لا عمل بحث و درس، و إن كانت له من حين لآخر التفاتات و ملاحظات دقيقة تنم عن سعة اطلاعه و بصره بالشعر.
و مما يلاحظ على الكتاب أن المؤلف أفرد أبوابا منه لمباحث البيان، و أخرى للمحسنات البديعية، و في ذلك ما يوحي بأنه قد بدأ يستقر في أذهان النقاد و رجال البلاغة أن البيان شيء و البديع شيء آخر. و الكتاب على الرغم من كل شيء قد وعى لنا مادة ضخمة من البلاغة و النقد معا.
و يستهل ابن رشيق كلامه عن البديع بباب يعرف فيه كلا من المخترع و البديع من الشعر، و يفرق بينهما، ثم ينتهي بذكر أول من قام بجمع البديع.
فالمخترع من الشعر عنده هو: ما لم يسبق إليه قائله، و لا عمل أحد من الشعراء قبله نظيره أو ما يقرب منه. و يقرر أن أول الناس اختراعا للشعر هو امرؤ القيس، و أن له في شعره اختراعات كثيرة أورد نماذج منها. و من الشعراء المخترعين عنده أيضا طرفة بن العبد.
ثم يستطرد فيقول: «و ما زالت الشعراء تخترع إلى عصرنا هذا و تولد، غير أن ذلك قليل في الوقت». و يدفعه ذكر التوليد إلى تعريفه فيقول: «و التوليد: أن يستخرج الشاعر معنى من معنى شاعر تقدمه، أو يزيد فيه زيادة، فلذلك يسمى التوليد، و ليس باختراع لما فيه من الاقتداء بغيره، و لا يقال له أيضا «سرقة» إذا كان ليس آخذا على وجهه» [١].
[١] كتاب العمدة ج ١ ص ٢٣٢.