علم البديع - عبد العزيز عتيق - الصفحة ٩٤
كذلك عرض ابن رشيق القيرواني للمبالغة، فذكر أنها ضروب كثيرة، و أن الناس فيها مختلفون: منهم من يؤثرها و يقول بتفضيلها، و يراها الغاية القصوى في الجودة، و ذلك مشهور من مذهب نابغة بني ذبيان، و هو القائل: أشعر الناس من استجيد كذبه و ضحك من رديئه.
و منهم من يعيبها و ينكرها و يراها عيبا و هجنة في الكلام، و قد قال بعض حذاق نقد الشعر: إن المبالغة ربما أحالت المعنى، و لبّسته على السامع، فليست لذلك من أحسن الكلام و لا أفخره، لأنها لا تقع موقع القبول كما يقع الاقتصاد و ما قاربه، لأنه ينبغي أن يكون من أهم أغراض الشاعر و المتكلم أيضا الإبانة و الإفصاح، و تقريب المعنى على السامع.
فإن العرب إنما فضلت بالبيان و الفصاحة، و حلا منطقها في الصدور، و قبلته النفوس لأساليب حسنة، و إشارات لطيفة تكسبه بيانا، و تصوره في القلوب تصويرا. و لو كان الشعر هو المبالغة لكان المحدثون أشعر من القدماء، و قد رأيناهم احتالوا للكلام حتى قرّبوه من فهم السامع بالاستعارات و المجازات التي استعملوها و بالتشكيك في الشبهين، كما قال ذو الرمة:
فيا ظبية الوعساء بين جلاجل
و بين النقا آأنت أم أمّ سالم؟