علم البديع - عبد العزيز عتيق - الصفحة ٨
و من النقاد من يهمل هذا الجانب البديعي عند تعرضه بالنقد لنص شعري أو نثري و الحكم عليه ظنا منه أنه جانب لا يقدم و لا يؤخر كثيرا في الحكم على جودة التعبير و حسن أدائه للمعنى بكل ظلاله.
و لكن دراسة أصول هذا العلم و الأناة في تفهمها و تذوقها جديرة بإقناع الدارس أيا كان بأن استبعاد الجانب البديعي عند الحكم على عمل أدبي هو إجحاف به و انتقاص في الحكم عليه.
حقا لقد أسرف الشعراء و الأدباء في العصور المتأخرة غاية الإسراف في استعمال المحسنات البديعية، إما إعجابا بها و إما إخفاء لفقرهم في المعاني، و بهذا انحط إنتاجهم الأدبي. ذلك في نظري هو سبب العزوف عن هذا العلم من جانب بعض الدارسين و النقاد المعاصرين. و لو عرفوا أن العيب ليس في البديع ذاته و إنما هو في سوء فهمه و استخدامه لقللوا من عزوفهم عنه و لأعطوه حقه من العناية و الدراسة، و لردوا إليه اعتباره كعنصر بلاغي هام عند تقييم الأعمال الأدبية و الحكم عليها.
و كما يقول أبو هلال العسكري: «إن هذا النوع من الكلام إذا سلم من التكلف و برىء من العيوب كان في غاية الحسن و نهاية الجودة» [١].
و بعد، فقد عرف العرب في شعرهم كل الخصائص الفنية و الأساليب البيانية التي تخلع عليه صفة الجمال و الإبداع. و كان الشاعر منهم بحسه الفطري و على غير دراية منه بأنواع هذه الأساليب البيانية و مصطلحاتها البلاغية يستخدمها تلقائيا كلما جاش بنفسه خاطر و أراد أن يعبر عنه تعبيرا بليغا.
[١] كتاب الصناعتين ص ٢٦٧.