علم البديع - عبد العزيز عتيق - الصفحة ٩
و قد اهتدى بعض الجاهليين إلى قيمة بعض هذه الأساليب و أثرها في تقدير الشعر و حظه من البلاغة، و من هذه الأساليب ما يمت بصلة إلى هذا أو ذاك بما عرف بعد بعلوم البلاغة العربية الثلاثة، أعني علم المعاني، و علم البيان، و علم البديع.
و لعلنا نذكر ما كان يدور في أسواق العرب و أنديتهم من حوار أدبي، كما نذكر كيف كان الشعراء يفدون على زهير بن أبي سلمى في سوق عكاظ و ينشدون أمامه أشعارهم ليحكم بينهم متفاخرين بما في شعرهم من أساليب التشبيه و المجاز بأنواعه، و كيف كان زهير يقضي لهذا أو ذاك على غيره من الشعراء لأنه أجاد التشبيه أو الاستعارة أو الكناية.
الجاهليون إذن كانوا بطبيعتهم الشعرية الأصيلة يستحسنون بعض الأساليب البلاغية و يستخدمونها في أشعارهم دون علم بمصطلحاتها، تماما كما كانوا عن سليقة يستخدمون في كلامهم الفاعل مرفوعا و المفعول منصوبا قبل أن يظهر النحاة و يضعوا قواعد الفاعل و المفعول.
و قد أخذ علماء العربية بعد الإسلام يهتمون غاية الاهتمام بعلم البلاغة ليستعينوا به في المحل الأول على معرفة أسرار الإعجاز في القرآن الكريم كتاب اللّه.
و في ذلك يقول أبو هلال العسكري [١]: «اعلم- علمك اللّه الخير و دلك عليه و قيضه لك و جعلك من أهله- أن أحق العلوم بالتعلم و أولاها بالتحفظ- بعد المعرفة باللّه جل ثناؤه- علم البلاغة، و معرفة الفصاحة الذي به يعرف إعجاز كتاب اللّه تعالى، الناطق بالحق، الهادي إلى سبيل الرشد، المدلول به على صدق الرسالة و صحة النبوة، التي رفعت أعلام
[١] كتاب الصناعتين ص ١- ٣.