علم البديع - عبد العزيز عتيق - الصفحة ٣٣
و مما تجدر الإشارة إليه هنا، و نحن نتتبع تطور علم البديع، أن المتكلمين منذ القرن الخامس من الباقلاني إلى عبد القاهر ممن عنوا بإعجاز القرآن قد نحوا البديع عن مباحث أسرار البلاغة في القرآن الكريم، لأنه في رأيهم لا يدخل في بحث الإعجاز القرآني، نظرا لأن كثيرا من فنونه مستحدث، و ما ورد منه في القرآن إنما جاء دون قصد و تكلف.
على هذا الأساس رأينا فيما سبق كيف أن عبد القاهر و هو يعنّي نفسه بالكشف عن نظريتي علم المعاني و علم البيان في كتابه «دلائل الإعجاز» لم يعن أو يهتم بالبديع و فنونه.
حقا لقد عرض في «أسرار البلاغة» للجناس و السجع و حسن التعليل و الطباق، و لكن حديثه عنها قد جاء في معرض الاستدلال بها على نظريته في نظم الكلام.
و على غرار عبد القاهر نرى الزمخشري لا يعني في تفسيره «الكشاف» بما جاء في آيات القرآن من بديع إلا عرضا، لأنه لم يكن يعد البديع علما مستقلا من علوم البلاغة، و إنما يعده ذيلا لها.
و قد كانت نظرته هذه إلى البديع سببا في أن لا يقف طويلا أمام ما ورد في القرآن من فنون بديعية. و من ثم فالزمخشري في ميدان البلاغة رجل بيان لا بديع.
و مع ذلك فقد استدعاه تفسيره البياني في «الكشاف» أن يشير إشارة خفيفة إلى ما ورد في بعض آي الذكر الحكيم من فنون البديع من مثل:
الطباق، و المشاكلة، و اللف و النشر، و الالتفات، و تأكيد المدح بما يشبه الذم، و مراعاة النظير و التناسب، و التقسيم، و الاستطراد، و التجريد.
تلك كانت مساهمة الزمخشري في علم البديع، و هي مساهمة لم يكن