علم البديع - عبد العزيز عتيق - الصفحة ١٨٣
و لعل الجاحظ أول من فطن إلى هذا النوع من البديع المعنوي، فقد عقد له بابا خاصا في كتابه البيان و التبيين و أطلق عليه اسم «اللغز في الجواب» و أورد له أمثلة شتى منها:
سأل رجل بلالا مولى أبي بكر رحمه اللّه و قد أقبل من جهة الحلبة:
من سبق؟ قال: سبق المقربون. قال: إنما أسألك عن الخيل. قال: و أنا أجيبك عن الخير. فترك بلال جواب لفظه إلى خبر هو أنفع له.
و قال الحجاج لرجل من الخوارج: أجمعت القرآن؟ قال: أمتفرقا كان فأجمعه؟ قال أتقرؤه ظاهرا؟ قال: بل أقرؤه و أنا أنظر إليه. قال:
أفتحفظه؟ قال: أفخشيت فراره فأحفظه؟ قال ما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال لعنه اللّه و لعنك. قال: إنك مقتول فكيف تلقى اللّه؟ قال ألقى اللّه بعملي، و تلقاه أنت بدمي.
و قالوا: كان الحطيئة يرعى غنما، و في يده عصا، فمر به رجل فقال: يا راعي الغنم ما عندك، قال: عجراء من سلم، يعني عصاه، قال: إني ضيف، فقال الحطيئة: للضيفان أعددتها.
فمن هذه الشواهد و نظائرها يتضح أن هذا الأسلوب من الكلام و الذي أطلق عليه الجاحظ «اللغز في الجواب» كان يستعمله العرب لأغراض مختلفة كالتظرف أو التخلص من إحراج السائل، أو تقديم الأهم، أو التهكم.
و ما من شك في أن ما قدمه الجاحظ من أمثلة شتى في هذا الباب قد لفت أنظار البلاغيين من بعده لهذا النوع من الكلام، و أعطاهم الأساس
[١] كتاب البيان و التبيين ج ٢ ص ١٤٨، ص ٢٨٢.
[٢] العجراء: الكثيرة العجر، أي العقد، و السلم بالتحريك: شجر.