علم البديع - عبد العزيز عتيق - الصفحة ١٦٦
٢- و الضرب الثاني من تأكيد المدح بما يشبه الذم يتمثل في إثبات صفة مدح لشيء تعقبها أداة استثناء يكون المستثنى بها صفة مدح أخرى له.
و مثال ذلك قول الرسول: «أنا أفصح العرب بيد أني من قريش»، و «بيد» بمعنى «غير» و هو أداة استثناء، و أصل الاستثناء في هذا الضرب أن يكون منقطعا، و لم يقدر متصلا لأنه ليس هنا صفة ذم منفية عامة يمكن تقدير دخول صفة المدح فيها.
و إذا لم يمكن تقدير الاستثناء متصلا في هذا الضرب فلا يفيد التوكيد إلا من الوجه الثاني، و هو أن ذكر أداة الاستثناء يوهم إخراج شيء مما قبلها من حيث أن الأصل في مطلق الاستثناء هو الاتصال، فإذا ذكر بعد الأداة صفة مدح أخرى جاء التوكيد.
و من تأكيد المدح بما يشبه الذم ضرب آخر و هو أن يؤتى بمستثنى فيه معنى المدح معمولا لفعل فيه معنى الذم، و ذلك نحو قوله تعالى: وَ ما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا. أي و ما تعيب منا إلا الإيمان باللّه الذي هو أصل المناقب و المفاخر كلها.
فالفعل تَنْقِمُ فيه معنى العيب و الذم، و المستثنى بإلا و هو مصدر الإيمان المؤول من «أن آمنا» يتضمن صفة مدح، و هو في الوقت ذاته معمول الفعل تَنْقِمُ. فهذا المثال و نظائره مما تأتي فيه صفة المدح الواقعة بعد أداة الاستثناء معمولا لفعل فيه معنى الذم- يعد ضربا آخر من تأكيد المدح بما يشبه الذم.
و في هذا الأسلوب البديعي قد تأتي أدوات الاستثناء من مثل «إلا، و غير، و سوى» بمعنى «لكن» التي للاستدراك، و عندئذ يكون تأكيد المدح