الإمام السجاد عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٨ - منهاج الإمام عليه السلام في التربية الروحية

العصور: يا ليتنا كُنَّا معك فنفوز فوزاً عظيماً، وليكونوا أبداً جنود الحق المتفانين في سبيل الله لكيلا تتكرر فاجعة الطف مرة أخرى؛ أو ليكونوا- إذا وقعت- مشاركين فيها بسهم واقٍ، ومدافعين عن الحق بكل قواهم.

ومن هنا نجد الإمام زين العابدين عليه السلام واحداً من البكَّائين الخمسة في عداد: آدم ويعقوب ويوسف وفاطمة بنت محمد عليهم السلام.

لقد بقي باكياً بعد واقعة الطف ثلاثاً وثلاثين عاماً، ما وُضع أمامه طعام إلَّا وخنقته العبرة، وقال: لقد قُتِلَ ابن بنت رسول الله جائعاً. فإذا جيء إليه بشراب انهالت دموعه فيه وقال: لقد قتل ابن بنت رسول الله عطشاناً. وإذا مرّ على جزّار استوقفه وسأله: هل سقى الشاة ماءً، ثم طفق يبكي ويقول: لقد قتلوا سبط رسول الله ظامئاً على شط الفرات.

وقد ضج لبكائه مواليه وأهل بيته. قَالَ لَهُ مَوْلًى لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِين، قَالَ: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ،

إِنِّي لَمْ أَذْكُرْ مَصْرَعَ بَنِي فَاطِمَةَ إِلَّا خَنَقَتْنِي لِذَلِكَ عَبْرَةٌ»[١].

باء: ولم يكن البُكاء الرسالة الوحيدة التي حملها الإمام زين العابدين عليه السلام إلى التاريخ، فقد كانت رسالة الكلمة الثائرة هي المشكاة الصافية التي تشعُّ من خلالها رسالة الكلمة. فمنذ الأيام الأولى لملحمة كربلاء عملت كلماتُ آل البيت عليهم السلام وفي طليعتهم الإمام السجاد والصديقة زينب الكبرى عليها السلام في هدم جدار الصمت والتردد


[١] في رحاب أئمة أهل البيت، ج ٣، ص ٢٠٩.