الإمام السجاد عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤ - الفصل الأول الوِلَايَةُ الإِلَهِيَّةُ
مالًا وولداً. إطاعته بسبب أمر الله. وهكذا كانت الفتنة الكبرى للناس عند ابتعاث الرسل، إذ كيف يُطيعون بشراً من أمثالهم؟. وقد حكى الله تعالى عنهم بقوله: أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ [١].
ويتساءل البسطاء: لماذا امتحن الله تعالى خلقه بطاعة الأنبياء وطاعة أوصيائهم، وقد اختارهم من أوساط الناس؟. ويمضي المتسائل قائلًا: أَوَلَمْ يكن من الأفضل أن يُزوِّدهم الله سبحانه بقوى خارقة وبأموال وبنين حتى تسهل طاعة الناس لهم؟
كلا .. لأنه عندئذ كانت تبطل حكمة الابتلاء، ولم تكن تصبح طاعتهم تطهيراً للنفوس من الكبر، وبالتالي لم يكن المُطيعون لهم يُزكَّون بذلك إعداداً لدخول الجنة التي هي مأوى عباد الله الخالصين من دنس الشِّرك والكبر.
وهكذا يُبَيِّنُ هذه الحكمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إذ يقول:
«وَلَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ مِنْ نُورٍ يَخْطِفُ الْأَبْصَارَ ضِيَاؤُهُ، وَيَبْهَرُ الْعُقُولَ رُوَاؤُهُ، وَطِيبٍ يَأْخُذُ الْأَنْفَاسَ عَرْفُهُ؛ لَفَعَلَ، وَلَوْ فَعَلَ لَظَلَّتْ لَهُ الْأَعْنَاقُ خَاضِعَةً، وَلَخَفَّتِ الْبَلْوَى فِيهِ عَلَى المَلَائِكَةِ، وَلَكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَبْتَلِي خَلْقَهُ بِبَعْضِ مَا يَجْهَلُونَ أَصْلَهُ؛ تَمْيِيزاً بِالِاخْتِبَارِ لَهُمْ، وَنَفْياً لِلاسْتِكْبَارِ عَنْهُمْ، وَإِبْعَاداً لِلْخُيَلَاءِ مِنْهُمْ»[١].
ويضيف الإمام عليه السلام في السياق ذاته قائلًا:
«وَلَوْ أَرَادَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِأَنْبِيَائِهِ- حَيْثُ بَعَثَهُمْ- أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ الذِّهْبَانِ وَمَعَادِنَ الْعِقْيَانِ وَمَغَارِسَ الْجِنَانِ وَأَنْ يَحْشُرَ مَعَهُمْ طُيُورَ السَّمَاءِ وَوُحُوشَ الْأَرَضِينَ لَفَعَلَ، وَلَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ الْبَلَاءُ وَبَطَلَ الْجَزَاءُ وَاضْمَحَلَّتِ الْأَنْبَاءُ، وَلَمَا وَجَبَ
[١] سورة القمر، الآية: ٢٤.
[٢] نهج البلاغة، دار الهجرة للنشر- قم، ص: ٢٨٦- ٢٨٧، الخطبة رقم ١٩٢.