الإمام السجاد عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥١ - منهاج الإمام عليه السلام في التربية الروحية
كَانَ عِنْدَهُ عليه السلام قَوْمٌ أَضْيَافٌ فَاسْتَعْجَلَ خَادِمٌ لَهُ بِشِوَاءٍ كَانَ فِي التَّنُّورِ، فَأَقْبَلَ بِهِ الْخَادِمُ مُسْرِعاً فَسَقَطَ السَّفُّودُ مِنْهُ عَلَى رَأْسِ بُنَيٍّ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليه السلام تَحْتَ الدَّرَجَةِ فَأَصَابَ رَأْسَهُ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِلْغُلَامِ وَقَدْ تَحَيَّرَ الْغُلَامُ وَاضْطَرَبَ:
«أَنْتَ حُرٌّ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْتَمِدْهُ»
وَأَخَذَ فِي جَهَازِ ابْنِهِ وَدَفْنِه [١].وكان له مَوْلًى يَتَوَلَّى عِمَارَةَ ضَيْعَةٍ لَهُ فَجَاءَ لِيَطَّلِعَهَا فَأَصَابَ فِيهَا فَسَاداً وَتَضْيِيعاً كَثِيراً، غَاضَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَآهُ وَغَمَّهُ، فَقَرَعَ المَوْلَى بِسَوْطٍ كَانَ فِي يَدِهِ وَنَدِمَ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ أَرْسَلَ فِي طَلَبِ المَوْلَى فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ عَارِياً وَالسَّوْطُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَظَنَّ أَنَّهُ يُرِيدُ عُقُوبَتَهُ فَاشْتَدَّ خَوْفُهُ، فَأَخَذَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ السَّوْطَ وَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِ وَقَالَ له:
«يَا هَذَا! قَدْ كَانَ مِنِّي إِلَيْكَ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنِّي مِثْلُهُ، وَكَانَتْ هَفْوَةً وَزَلَّةً، فَدُونَكَ السَّوْطَ وَاقْتَصَّ مِنِّي»
. فَقَالَ المَوْلَى: يَا مَوْلَايَ! وَاللهِ إِنْ ظَنَنْتُ إِلَّا أَنَّكَ تُرِيدُ عُقُوبَتِي وَأَنَا مُسْتَحِقٌّ لِلْعُقُوبَةِ، فَكَيْفَ أَقْتَصُّ مِنْكَ؟! قَالَ: «وَيْحَكَ اقْتَصَّ»، قَالَ: مَعَاذَ اللهِ! أَنْتَ فِي حِلٍّ وَسَعَةٍ. فَكَرَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِرَاراً وَالمَوْلَى كُلَّ ذَلِكَ يَتَعَاظَمُ قَوْلَهُ وَيُجَلِّلُهُ، فَلَمَّا لَمْ يَرَهُ يَقْتَصُّ قَالَ لَهُ:«أَمَّا إِذَا أَبَيْتَ فَالضَّيْعَةُ صَدَقَةٌ عَلَيْك»[١].
هذه نماذج من الخلق الكريم الذي اتّسَم به سلوك الإمام عليه السلام مع الموالي. وقد كان أسلوب عتق الإمام لهم متميزاً يرويه التاريخ بجلال وإعجاب. فقد روى ابن طاووس في كتاب شهر رمضان
[١] في رحاب أئمة أهل البيت، ج ٣، ص ١٩٩.
[٢] في رحاب أئمة أهل البيت، ج ٣، ص ١٩٩.