الإمام السجاد عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢ - بعد عاشوراء
أو يبحث عن مجدٍ مثل ابن الزبير، جاء الإمام السجاد عليه السلام يُعطي لتلك الحالة هويَّتها الرسالية، وصِبغتها الإلهية، وروعتها التي تمثَّلت في قيم الوحي، وسبيلها القويم الذي رسمته شريعة الله تعالى.
ولعل هذا أعظم دور قيادي قام به الإمام السجاد عليه السلام. ولم يكن هذا الدور نابعاً من حالة مزاجية عند الإمام عليه السلام، أو لأنه شَاهَدَ مثلًا وقائع الطف الفظيعة، فاصطبغت شخصيته بها، ولم يملك إلَّا البكاء والتفجّع والتبتّل والضراعة.
أجل، إن تلك الحادثة كان لها أثرها البالغ في شخصيته الكريمة، ولكن الإمام المعصوم عليه السلام يقوم بواجبه الإلهي، وليس بما تمليه حالته النفسية. والشاهد على ذلك أن الإمام زين العابدين عليه السلام، الذي اصطبغت شخصيته الكريمة بالتهجد والبكاء، حمل رسالة عاشوراء بعد شهادة والده، هو وعمّته عقيلة الهاشميين زينب عليها السلام. وما أدراك ما رسالة عاشوراء!. إنها رسالة الجرح الثائر، والدم المنتصر، والألم المتمرد، والانتفاضة التي لا تهدأ. أَوَما سمعت خطبته اللاهبة في أهل الكوفة بعد ثلاثة أيام من فاجعة الطف كيف أثارت فيهم دفائن العطف، ونفضت عن أفئدتهم غبار الرهبة والتردد، فقالوا له: مُرْنَا بأمرك فإنّا مطيعون لأمرك، لنأخذنَّ يزيد ونتبرأ ممن ظلمك وظلمنا.
ولكنه قال لهم:
«مَسْأَلَتِي أَلَّا تَكُونُوا لَنَا وَلَا عَلَيْنَا»[١].
وها نحن نستمع معاً إلى فقرات من تلك الخطبة الثائرة:
«أَوْمَأَ إِلَى النَّاسِ أَنِ اسْكُتُوا فَسَكَتُوا، فَقَامَ قَائِماً، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى
[١] بحار الأنور، ج ٤٥، ص ١١٢.