الإمام السجاد عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤ - بعد عاشوراء
ثم التفت إلى يزيد واستأذنه بصعود المنبر، فلم يجد يزيد بدًّا من ذلك، فلما تشرَّف به المنبر ألقى تلك الخطبة البليغة التي لا يزال صداها يدوّي في الآفاق إلى اليوم، وإلى أبد الآبدين.
وحينما هدم طاغية العراق الحجاج بن يوسف الثقفي الكعبة تصدَّى له الإمام عليه السلام وقال:
«يَا حَجَّاجُ عَمَدْتَ إِلَى بِنَاءِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فَأَلْقَيْتَهُ فِي الطَّرِيقِ وَانْتَهَبْتَهُ، كَأَنَّكَ تَرَى أَنَّهُ تُرَاثٌ لَكَ، اصْعَدِ المِنْبَرَ وَأَنْشِدِ [انْشُدِ] النَّاسَ أَلَّا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْهُمْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئاً إِلَّا رَدَّه»[١].
وهكذا كانت سجية الإمام الشجاعة، ولكن الظروف التي عاشها لم تكن تنقصها الثورة والشجاعة، لأن واقعة الطف قد شحنت ضمير الأمة بالشجاعة بِما يكفيها لقرون متمادية، وربما إلى الأبد. إنما كانت بحاجة إلى صبغة إيمانية تسمو بالثورة إلى أهدافها القيّمة، وهكذا اتَّجه الإمام عليه السلام إليها.
فزعم السذج من الناس أن ذلك كان مزاجاً شخصيًّا، كما زعموا مثل ذلك في الأنبياء. فمنهم من قال: إن تضحية إبراهيم وصبر نوح، ووحدة موسى وزهد عيسى وخُلق محمد عليهم السلام، وسائر الصفات المتميزة لكل نبيٍّ من رُسل الله عليهم السلام، إنما كانت سمات شخصياتهم، وحالاتهم المزاجية. ناسين أن الله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته، وأنه لا يجعل رسالته إلَّا حيث تقتضي حكمته، وأن تلك الصفات التي تجلَّت بهم كانت ضرورية للظروف التي عاشوها والبشر الذين تعاملوا معهم. حتى ولو افترضنا جدلًا أن نبيًّا وُضِعَ في مقام نبيٍّ آخر لتبنّى
[١] عوالم العلوم، ج ١٨، ص ١٧٩.