الإمام السجاد عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨ - أم السجاد عليه السلام

وكانت الأمبراطورية الفارسية- كأي نظام جاهلي آخر- قائمةً على الطبقية والظلم والعدوان، فلما أشرق نور الإسلام تهاوت كما تتهاوى شجرة منخورة أمام إعصارٍ عنيف، وانهزم الأمبراطور من بلد إلى آخر حتى قُتل غيلةً في خراسان، وبقيت عائلته في تلك البلاد حتى فُتحت على عهد عثمان في عام (٣٢) وجيء بهم إلى المدينة المنورة، فلما مثلوا أمام الخليفة الثالث وحضر كبار الأصحاب، أشار الإمام أمير المؤمنين عليه السلام إلى الخليفة بإكرامهم ورغّبه في ذلك بذكر حديث الرسول صلى الله عليه واله:

«ارْحَمُوْا عَزِيْزَ قَوْمٍ ذَلَ»[١].

ولعل الحكمة في ذلك كانت استمالة الشعوب التي لم تزل تحترم قيادتها وكرماءها، لكيلاتبقى بينهم وبين قبول الإسلام حواجز الحقد والضغينة.

فلما تريَّث الخليفة في ذلك قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام:

«أَعْتَقْتُ مِنْهُمْ لِوَجْهِ اللهِ حَقِّي وَحَقَّ بَنِي هَاشِم»[١].

وتبعه في ذلك الأنصار والمهاجرون، فلم ير الخليفة بدًّا من قبول الأمر، فأشار الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بأن تُترك كلُّ واحدةٍ لاختيار الزوج المناسب، فاختارت إحدى بنات يزدجرد الحسين عليه السلام، في حين اختارت الثانية الحسن، وقيل: محمد بن أبي بكر. فحملت شهر بانو في تلك السنة. وفي منتصف شهر جمادي الأولى لعام ثلاث وثلاثين من الهجرة ولدت ابنها البكر، وماتت وهي في نفاسها، فتكفلته واحدة من أمهات الأولاد عند الإمام الحسين عليه السلام، فنشأ زين العابدين في كنفها،


[١] بحار الأنوار، ج ٢، ص ٤٤.

[٢] بحار الأنوار، ج ٤٥، ص ٣٣٠.