محمد المصطفى(ص) قدوة و اسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦ - الفصل الثَّاني وبَعْدَ الرِّسَالة
وشاء الله أن تنقضي مدة هذا النفي فأمر بالأرضة (وهي دابة صغيرة) أن تأكل الخطوط الملعونة التي رُسمت على الصحيفة. فأكلتها، وأَلْهَم نبيَّه بشأن ذلك، فأخبر النبيُّ صلى الله عليه واله أبا طالب عليه السلام، وهو بدوره ذهب إلى الكفار وحدَّثهم بذلك. وقال: إن ذلك علامة صدق ابن أخي في ادّعائه الرسالة، وكذبكم في إنكاركم أمره. فجعلوا الاطلاع على الصحيفة حكماً بينهم فإن كانت الصحيفة كما أخبر الرسول صلى الله عليه واله أخرجوهم من المنفى، وإن لم تكن فإنهم ماكثون فيه.
وحينما اطَّلعوا عليها وجدوها كما أخبر الرسول صلى الله عليه واله. فخرج بنو هاشم من المنفى منتصرين. وتمَّ بذلك عهد كان من أشد العهود على النبيِّ وآله، وأصعبها جميعاً.
وإنّ الضراء التي مست الأسرة الهاشمية في منفاها بِشِعْب أبي طالب كانت شديدة للغاية. ولذلك فإن خسارتها كانت بالغة وكبيرة أيضاً، حيث نتج عن الحصار الاقتصادي والاجتماعي على بني هاشم موت خديجة زوجة النبي صلى الله عليه واله، وموت أبي طالب عمه وكفيله.
لقد كانت خديجة عليها السلام شريكة النبيِّ صلى الله عليه واله في كلّ آلامه وآماله، والمسلّية له فيما أصابه من أذى، بل كانت المُعينة له على مكاره قريش، كما كان أبو طالب حامي النبي صلى الله عليه واله الذي كان قد ألقى بينه وبين أذى قريش حجاباً ثقيلًا.
لقد كان أبو طالب سيّد قريش وشيخ بني هاشم؛ وكان له حق مشروع في الدفاع عن النبيّ محمد صلى الله عليه واله في منطق النظام الاجتماعي السائد في تلك
الأيام، حيث إنه كان يعتبر النبيَّ ابناً له. والمرء يمكنه الدفاع عن ولده في ذلك النظام بكل أسلوب وفي جميع الأحوال حتى