محمد المصطفى(ص) قدوة و اسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥ - الفصل الثَّاني وبَعْدَ الرِّسَالة
تَرُدُّوهُ أَصْبِرُ) حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا) [١]» [٢].
وفكروا هذه المرة بأن يستأصلوا الشجرة الطيبة من أصلها وأن يغتالوا النبيَّ صلى الله عليه واله نفسه، بيد أنَّه كان يومئذ يأوي إلى ركن شديد، وسندٍ قويّ، لم يقتدر الكفار أن يأتوا عليه، وهو عمُّه وناصره أبو طالب سيد قريش وشيخ بني هاشم. فحاولوا أوّل الأمر إغراء أبي طالب فقالوا له: «إننا نعطيك ولداً وسيماً من أبنائنا ونأخذ محمداً ونقتله.
فقال: ما انصفتموني. آخُذ ولدكم فأُطعمه وأسقيه، وتأخذون ولدي فتقتلونه. فقالوا له: إنَّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفَّه أحلامنا، وضلل آباءنا. فإما أن تكفه عنّا، وإمّا أن تخلِّي بيننا وبينه فنكفيكه».
لكن أبا طالب الذي لم يشكَّ في صدق مقالة ابن أخيه والرسول المبعوث إليه، ردّهم ولم يقبل أيَّ واحد من اقتراحاتهم؛ وخاطب النبيَّ صلى الله عليه واله قائلًا: «أُدع إلى ربّك. فإني لن أتخلَّى عنك أبداً».
وحينما رأت قريش أن أبا طالب لن يتخلى عن النبي، دبّرت له خطة أخرى، حيث أجمعت أمرها على مقاطعة النبيِّ وكلّ من يؤازره من بني هاشم. وكتبوا صحيفة بشأن هذا القرار، ومنعوا الناس من أن يبيعوا شيئاً إلى بني هاشم. فجمع أبو طالب بني هاشم وجعلهم في شِعْبٍ كان له في أطراف مكة، وبقوا هناك ثلاث سنين في أشدّ ما يكون من سوء العيش، وأكثر ما يكون من الخوف والقلق، حتى أن أبا طالب كان يُبدِّل فراش النبي صلى الله عليه واله في كل ليلة مرات خوفاً على حياته الكريمة.
[١] سورة الأعراف، آية: ٨٧.
[٢] بحار الأنوار: ج ١٨، ص ٢٠١.