محمد المصطفى(ص) قدوة و اسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣ - الفصل الثَّاني وبَعْدَ الرِّسَالة
ولذلك فهؤلاء لم يمتنعوا عن قبول الدعوة فقط، بل أخذوا يسلكون معها مسلكاً معادياً، وساروا في جبهة معاكسة تماماً؛ فكل من أسلمَ قابلوه بالكبت والاضطهاد، وحاولوا ردَّه إلى دينهم الخرافي السخيف. فكم من رجل منشرح الصدر، ومنوَّر القلب اعترف بالنبي صلى الله عليه واله، فتعرّض للتعذيب والتنكيل من جانب قريش؟ وكم من عبد أو أمة آمن بالرسالة فَهُدِرَ دَمُه ومات فداء إيمانه! فهذا عمار قد عذَّبوه ونكَّلوا به. وهذا ياسر أبوه، وهذه سُميّة أمّه قد قتلوهما قتلًا!.
ولم يكن نصيب النبي صلى الله عليه واله من هذا التعذيب والأذى قليلًا. فإنه كان كلما سمع أنَّه عُذِّب أو أوذيَ أحدٌ في سبيل دعوته تألَّم وتأثَّر، ولربما فاضت عيناه بالدموع. وبالإضافة الى ذلك فقد كانت قريش تتعرض للنبي صلى الله عليه واله بالذات، إذ كان أبو لهب يرمي النبيّ بالحجارة، وكانت زوجته تُلقي في طريق الرسول صلى الله عليه واله الأشواك. وكان أبو جهل يحاول إثارة غضبه بإلقاء الفرث على رأسه وهو في الصلاة، أو يرمي القذر في طعامه وهو يأكل؟.
وشجَّ أحد الكفَّار رأسه الشريف بالقوس حتى جرت دماؤه على وجهه الكريم!. وكان بعض آخر منهم يلطِّخون داره بالأقذار، وقد يُلقون بها في فناء داره.
أما السخرية والاستهزاء والتقريع، فقد كانت تمتلئ بها أفواه الكفاّر، ويصبُّونها على النبيِّ صلى الله عليه واله كلَّ حين!.
وكان النبيّ صلى الله عليه واله يقابل كلّ ذلك بصبر حكيم، وحلم قائد، وأناة نبيّ؛ فإذا جاءت إليه طائفة من الكفّار استقبلهم بكل طلاقة، ودعاهم إلى الدِّين بأحسن طريق، فإذا لبّوا دعوته يكون ذلك خيرٌ، وإلَّا فإنه كان