محمد المصطفى(ص) قدوة و اسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٠ - الفصل الثَّاني وبَعْدَ الرِّسَالة

التي بيَّن بها تعاليمه الدينية والخلقية ورجع قاصداً المدينة.

ولعل بعض من رافق النبيَّ صلى الله عليه واله في هذه الرحلة المقدسة لاحظوا بوضوح مظاهر القلق والاضطراب في ملامحه كل حين، كأنِّه يريد إبداء شيء يخاف منه أو يرتقب فرصة أخرى أفسح وأولى!!.

ولكنَّ هذه الحجة كانت الحجة الأخيرة للنبيِّ صلى الله عليه واله. ولذلك سُمِّيت بحجة الوداع. ومن الضروري أن يُبيِّن فيها النبيُّ كل شيء يتعلق بمصالح المسلمين وشؤونهم السياسية والدينية. وإنّ أهم هذه الشؤون هي السلطة. فإذا تُوُفِّيَ النبيّ صلى الله عليه واله اختلفت العرب الذين لم يتسرّب الإسلام إلى قلوبهم كما هو في واقعه، وتنازعت أمرها وذهب الدين ضحيةً للاختلاف.

ولقد أنبأه الوحي بأنَّ السلطة تكون من بعده لعليِّ بن أبي طالب عليه السلام، أوّل من آمن بالله وبرسوله صلى الله عليه واله، وأشدَّ من أَبلى في سبيله، وأقضى المسلمين وأفضلهم. ولقد ذكر النبيُّ صلى الله عليه واله ذلك للمسلمين مراراً إِلَّا أن خوف النبيّ صلى الله عليه واله كان شديداً على مستقبل الأمة، حيث رأى في المسلمين بعض الذين يهدفون للسيطرة وقد التفوا حول النبيِّ لها فقط. فلما كان النبيُّ صلى الله عليه واله بمنزل (كراع الغميم) من أراضي عسفان نزلت عليه الآية المباركة تقول: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) [١].

ولمّا بلغ غدير خم نزلت عليه هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) [٢].


[١] سورة هود، آية: ١٢.

[٢] سورة المائدة، آية: ٦٧.