استقصاء النظر في القضاء و القدر - العلامة الحلي - الصفحة ٥٨
بقدرته و إرادته.
و أمّا ثانيا: فإنّا نقول: إنّه لا يجب معه الفعل [١]، قوله يلزم ترجيح أحد الطرفين المساويين على الآخر لا لمرجّح. قلنا: نمنع تساويهما، بل يكون الفعل أرجح و إن لم ينته إلى حدّ الوجوب، و ترجيح الرّاجح ليس بمحال.
و أمّا ثالثا: فإنّا نمنع استحالة ترجيح أحد الطرفين المتساويين على الآخر عند القادر لا لمرجّح [٢] فإنّ العلم القطعي حاصل بأنّ الجائع إذا قدّم إليه رغيفان متساويان فإنّه يتناول أحدهما من غير أن ينتظر وجود مرجّح؛ و أنّ العطشان إذا وجد ماءين متساويين فإنّه يتناول أحدهما و لا يموت عطشا إلى أن يحصل له المرجّح؛ و الهارب من السّبع إذا اعترضه طريقان متساويان فإنّه يسلك أحدهما و لا ينتظر وجود المرجّح.
[١] لأنّا نمنع أن
يحتاج الفعل إلى مرجّح ملزم، بل يكفي في صدوره و بقاء الاختيار رجحان الصدور و
أولويّة أحدهما على الآخر، و لا ينتهي الرّجحان إلى الوجوب، و لو سلّمناه نمنع
لزوم الفعل، لأنّه خلاف الوجدان، فإنّا نجد أنفسنا معه قادرا و مختارا في انتخاب
الفعل على الترك أو بالعكس، فلا يلزم الجبر، و لا الترجيح بلا مرجّح.
[٢] هذا الوجه من كلام
المصنّف يكون إلزاما للأشاعرة أو أكثرهم حيث جوّزوا من القادر ترجيح أحد مقدوريه
على الآخر من غير مرجّح، لمجرّد الإرادة بلا داع يختصّ بها، و مثّلوا بما ذكره
المصنّف من الأمثلة الوجدانية؛ و ممّن صرّح بنسبة ذلك إلى الشيخ الأشعري سيف
الدّين الأبهري الأشعري في مبحث الحسن و القبح من حاشيته على شرح المختصر. بل
تجاوزوا عن ذلك أيضا و قالوا بجواز ترجيح المرجوح على الراجح و تفضيل المفضول على
الفاضل، فوضعوا حديثا في شأن أبي بكر و هو أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله
قال: لو وضع أبو بكر في كفّة ميزان، و جميع النّاس في كفّة اخرى لترجّحت الكفّة
الّتي كان فيها أبو بكر. و لا يلتفت إلى ما نقل عن البهلول في ردّ ذلك من أنّه لو
صحّ هذا لكان في ذلك الميزان عيب البتّة، لأنّه كان رافضيّا.