استقصاء النظر في القضاء و القدر - العلامة الحلي - الصفحة ٣٨
الكفر منه و نهاه عنه، و أيّ عاقل يرضى لنفسه نسبة السّفه إلى اللّه تعالى و هو الحكيم في أفعاله، كما قال: ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ [١] و وصف نفسه بأنّه حكيم [٢] و قولهم يضادّ ذلك؛ فإن اعتذروا بأنّ الأمر قد يتحقّق بدون الإرادة، كما في السيّد إذا ضرب عبده، و طلب السّلطان الانتقام منه، فاعتذر بأنّه لا يطيعني، فيقول له السّلطان: مره حتّى أعرف عدم إطاعته، فإنّ السيّد إذا أمره لم يرد منه الفعل.
قلنا: هذا خطأ من وجوه:
أوّلها: إنّه مثال جزئي لا نظير له، و لا مثال سواه، فكيف يصحّ منّا حمل أوامر اللّه تعالى و نواهيه، و أوامر العقلاء و نواهيهم على هذه المثال الجزئي النّادر، مع أنّ جميع الأوامر و النّواهي لا ينفكّ عن الإرادة و الكراهة؟
و ثانيها: إنّا نمنع أمر السيّد هنا بل يوجد صيغة الأمر و لا يأمره أمرا حقيقيّا.
و ثالثها: إنّ السيّد كما لا يريد الفعل، كذا لا يطلبه، فإنّ السيّد يطلب إقامة عذره و تمهيده عند السّلطان، و ليس ذلك بطلب الفعل منه كما أنّه ليس بإرادته، فإذا امتنعت الإرادة هنا يمتنع الطلب مع اتّفاقهم على إثبات طلب الفعل منه.
و رابعها: إنّ السيّد يكره على الأمر بما لا يريد و البحث إنّما هو في غير المكره، و لا يلزم من الانفكاك عند الإكراه الانفكاك مع الاختيار.
الثّامن:
يلزم جواز أن يعذّب اللّه تعالى سيّد الرّسل العذاب الدّائم، و يخلّد إبليس
[١] سورة الملك [٦٧] : ٣.
[٢] جاء وصفه تعالى بأنّه حكيم في أكثر من سبع و ثلاثين آية، فراجع القرآن.