استقصاء النظر في القضاء و القدر - العلامة الحلي - الصفحة ٥٧
الرّابع:
إنّ الإيمان لو أراده اللّه تعالى من الكافر لزم عجز اللّه، لأنّ الكافر قد وقع مراده و هو الكفر، و اللّه تعالى لم يقع مراده و هو الإيمان.
(الجواب عن أدلّة الأشاعرة)
و الجواب عن الأوّل من حيث المعارضة، و من حيث الحلّ:
أمّا المعارضة: فإنّا نورد دليلهم في حقّ اللّه تعالى و نقول: اللّه تعالى إذا فعل فعلا فإن لم يتمكّن من تركه لزم الجبر، و أن لا يكون اللّه تعالى مختارا في أفعاله، بل يكون موجبا و هو كفر، لأنّه مذهب الفلاسفة، و إن تمكّن من التّرك كانت قدرته على الفعل و التّرك واحدة، فإذا رجّح الفعل فإن لم يفتقر إلى مرجّح لزم ترجيح أحد الطرفين على الآخر لا لمرجّح، و هو محال عندهم، و إن افتقر إلى مرجّح، فذلك المرجّح إن وجب معه الفعل لزم الجبر، فيكون اللّه تعالى موجبا و هو محال، و إن لم يجب عاد البحث فيه، فما هو جوابهم عن اللّه تعالى هو جوابنا عن العبد.
و أمّا الحلّ: فإنّا نقول أوّلا: إنّه يجب معه الفعل [١]، قوله: يلزم الجبر. قلنا:
لا نسلّم، فإنّ الفعل هنا يجب بقدرة العبد و إرادته، و الجبر إنّما يلزم لو وجب لا
[١] أي إنّا نختار أنّ
المرجّح هو الإرادة و وجوب الفعل من قبلها، و هذا الوجوب لا ينافي الاختيار و التمكّن
من الترك بالنظر إلى نفس القدرة، بل يحقّقه، لأنّ القادر هو الّذي يصحّ منه الفعل
و الترك قبل الإرادة، و إن وجب بعد تعلّق الإرادة به فهو واجب بالغير، و من
المقرّر أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد، و لا شبهة أنّ هذا الوجوب وجوب بالغير، فلو
كان منافيا للاختيار لما وجد قادر مختار أصلا.