منهاج الكرامة في معرفة الإمامة - العلامة الحلي - الصفحة ١٥٩
قال سويد بن غفلة: دخلت على علي بن أبي طالب عليه السلام القصر[١] فوجدته جالسا، بين يديه صحفة فيها لبن حازر[٢] أجد ريحه من شدة حموضته، وفي يديه رغيف أرى قشار الشعير في وجهه، وهو يكسر بيده أحيانا، فإذا غلبه كسره بركبته فطرحه فيه، فقال:
ادن فأصب من طعامنا هذا! فقلت: إني صائم! فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من منعه الصيام من طعام يشتهيه، كان حقا على الله أن يطعمه من طعام الجنة ويسقيه من شرابها.
قال: فقلت لجاريته وهي قائمة بقرب منه: ويحك يا فضة، ألا تتقين الله في هذا الشيخ؟
(ألا تنخلون)[٣] له طعاما مما أرى فيه من النخالة؟ فقالت: لقد تقدم إلينا ألا ننخل له طعاما.
قال: ما قلت لها؟ فأخبرته، فقال: بأبي وأمي من لم ينخل له طعام ولم يشبع من خبز البر ثلاثة أيام حتى قبضه الله عز وجل[٤].
واشترى يوما ثوبين غليظين، فخير قنبرا فيها، فأخذ واحدا ولبس هو الآخر، ورأى في كمه طولا عن أصابعه فقطعه.[٥]
قال ضرار بن ضمرة: دخلت على معاوية بعد قتل علي أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: صف لي عليا، فقلت: أعفني! فقال: لا بد أن تصفه، فقلت: أما إذا لا بد، فإنه كان - والله - بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل ووحشته، غزير العبرة.
[١]في " ر ": العصر.
[٢]في " ش ١ " وش ٢ ": حار. واللبن الحازر: الحامض.
[٣]في " ش ١ ": لا تنخلين، وفي " ش ٢ ": ألا تنخلين.
[٤]مناقب الخوارزمي: ١١٨ / الفصل ١٠ - الحديث ١٣٠ وتذكرة الخواص: ١١٢، وقال: وأخرجه أحمد أيضا في الفضائل.
[٥]تاريخ دمشق ٣: ١٩١ / الحديث ١٢٤١، وأسد الغابة ٤: ٢٤.