رحمه للعالمين - القحطاني، سعيد بن وهف - الصفحة ٧٦
[المثال السادس مع زعيم المنافقين]
المثال السادس: مع زعيم المنافقين: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وقد أجمع الأوس والخزرج على تمليك عبد الله بن أُبيٍّ، ولم يختلف عليه في شرفه اثنان، ولم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل من أحد الفريقين، وكانوا قد نظموا له الخرز، ليُتَوِّجوه ثم يملِّكوه عليهم، فجاءهم الله - تعالى - برسول الله صلى الله عليه وسلم وهم على ذلك، فلما انصرف قومه عنه إلى الإسلام امتلأ قلبه حقدًا وعداوةً وبغضًا، ورأى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استلبه ملكه، فلما رأى قومه أبوا إلا الإسلام، دخل فيه كارهًا مصرًا على النفاق والحقد والعداوة (¬١) ولم يأل جهدًا في الصَّدِّ عن الإسلام، وتفريق جماعة المسلمين، والذَّبِّ عن اليهود ومساعدتهم.
وقد ظهرت مواقفه الخبيثة في معاداته لدعوة الإسلام، ولكن عن طريق التستر والنفاق، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقابل عداوته بالعفو والصفح والحلم؛ لأنه يُظهر الإسلام؛ ولأن له أعوانًا من المنافقين، هو رئيسهم وهم تَبَعٌ له، فكان صلى الله عليه وسلم يحسن إليه بالمقال والفعل، ويقابل إساءته بالعفو والإحسان في عدة مواقف، منها على سبيل المثال ما يأتي:
١ - شفاعته لليهود - بنو قينقاع - عندما نقضوا العهد: نقض بنو قينقاع العهد بعد بدر بكشف عورة امرأة من المسلمين في السوق، وبقتل رجل نصرها من المسلمين (¬٢) فسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السبت للنصف من شوال، على رأس عشرين شهرًا من الهجرة، وحاصرهم خمسة عشر يومًا، وتحصَّنوا في حصونهم، فحاصرهم أشد الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بهم فَكُتِّفُوا، وكانوا سبعمائة مقاتل، فقام إلى النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أُبيٍّ حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد، أحسن في مواليَّ، فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، أحسن في موالي، فأعرض عنه، فأدخل يديه في جيب درع النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربع مائة حاسر، وثلاث مائة دارع (¬٣) قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة، إني والله امرؤ أخشى الدوائر، فوهبهم النبي صلى الله عليه وسلم له (¬٤) وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها، فخرجوا إلى أذرعات من أرض الشام، وقبض منهم أموالهم، وخمس غنائمهم صلوات الله وسلامه عليه (¬٥) .
فلم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، على هذه الشفاعة وعلى شدته القبيحة، بل عفى عنه صلى الله عليه وسلم.
٢ - ما فعله مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد: خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى معركة أحد، فلما صار بين أحد والمدينة انخزل عبد الله بن أُبيٍّ بنحو ثلث العسكر، ورجع بهم إلى المدينة فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، والد جابر - رضي الله عنهما - فوبَّخهم، وحضَّهم على الرجوع، وقال: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع، فرجع عنهم وسبهم (¬٦) .
فلم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الجرم العظيم، وتخذيل المسلمين.
٣ - صدُّه الرسولَ صلى الله عليه وسلم عن الدعوة إلى الله تعالى: ركب النبي صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة، فمر بعدو الله عبد الله بن أُبَيٍّ وحوله رجال من قومه، فنزل صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس قليلًا، فتلا القرآن، ودعا إلى الله - عز وجل -، وذكَّر بالله، وحذَّر وبشَّر وأنذر، وعندما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من مقالته، قال له عبد الله بن أُبيٍّ: يا هذا، إنه لا أحسن من حديثك هذا، إن كان حقًّا فاجلس في بيتك فمن جاءك فحدِّثْهُ إيَّاه، ومن لم يأتك فلا تغته (¬٧) ولا تأته في مجلسه بما يكره منه (¬٨) فلم يؤاخذه النبي صلى الله عليه وسلم، وعفا عنه وصفح.
٤ - تثبيته بني النضير: عندما نقض يهود بني النضير العهد بِهَمِّهِم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، بعث إليهم محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره وبلده، فبعث إليهم أهل النفاق - وعلى رأسهم عبد الله بن أُبيٍّ - أن اثبتوا وتمنَّعوا فإنا لن نسلمكم، إن قُوتلتم قاتلنا معكم، وإن أُخرجتم خرجنا معكم، فقويت عزيمة اليهود، ونابذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنقض العهد، فخرج إليهم حتى نزل بهم وحاصرهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب، وأجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم وخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام (¬٩) .
وترك النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أُبيٍّ فلم يُعاقبه على ذلك الفعل القبيح!
٥ - كيدُهُ وغدره للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين في غزوة المريسيع: في هذه الغزوة قام عبد الله بن أُبيٍّ بعدة مواقف مخزية توجب قتله وعقابه، ومنها:
دَبَّر المنافقون في هذه الغزوة قصة الإفك، وتولى كبره عبد الله بن أُبيٍّ بن سلول (¬١٠) .
وفي هذه الغزوة قال عبد الله بن أُبيٍّ: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [المنافقون: ٨] (¬١١) .
وفي هذه الغزوة قال عدو الله: {لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا} [المنافقون: ٧] (¬١٢) .
وقد ظهرت الحكمة المحمدية، وتجلت السياسة الرشيدة في إخماد النبي صلى الله عليه وسلم نار الفتنة، وقطع دابر الشر - بفضل الله ثم بصبره - على عبد الله بن أُبيٍّ، وتَحمُّله له، والإحسان إليه، ومقابلة هذه المواقف المخزية من هذا الزعيم المنافق بالعفو؛ لأنه هذا الرجل له أعوان، ويخشى من شرهم على الدعوة الإسلامية؛ ولأنه يظهر إسلامه، ولهذا «قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب - حينما قال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق -: دعه حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» (¬١٣) .
فلو قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان ذلك منفِّرًا للناس عن الدخول في الإسلام؛ لأنهم يرون أن عبد الله بن أُبيٍّ مسلم، ومن ثم سيقول الناس: إن محمدًا يقتل المسلمين، فعند ذلك تظهر المفاسد، وتتعطل المصالح.
فظهرت حكمة النبي صلى الله عليه وسلم وصبره على بعض المفاسد خوفًا من أن تترتب على ذلك مفسدة أعظم؛ ولتقوى شوكة الإسلام، وقد أُمر بالحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر.
وقد ظهرت الحكمة لعمر بعد ذلك في عدم قتل عبد الله بن أُبيٍّ فقال: (قد والله علمت، لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري) (¬١٤) .
وهكذا ينبغي للدعاة إلى الله أن يسلكوا طريق الحكمة في دعوتهم اقتداء بنبيهم صلى الله عليه وسلم.
¬
(¬١) انظر: سيرة ابن هشام ٢، والبداية والنهاية ٤.
(¬٢) انظر: سيرة ابن هشام ٢، والبداية والنهاية ٤، والرحيق المختوم ص٢٢٨، وهذا الحبيب ص٢٤٦.
(¬٣) الحاسر: هو الذي لا درع له، والدارع: هو لابس الدرع. انظر: المعجم الوسيط، مادة " حسر " ١، ومادة " درع " ١.
(¬٤) انظر: سيرة ابن هشام ٢، والبداية والنهاية لابن كثير ٤.
(¬٥) انظر: زاد المعاد ٣، ١٩٠.
(¬٦) انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد ٣، وسيرة ابن هشام ٣، ٣، والبداية والنهاية ٤.
(¬٧) أي: لا تكثر عليه به وتتردد به عليه، أو لا تعذبه به. انظر: القاموس المحيط، باب التاء، فصل الغين ص٢٠٠، والمعجم الوسيط مادة " غتَّ " ٢.
(¬٨) انظر: سيرة ابن هشام ٢، ٢١٩.
(¬٩) انظر: سيرة ابن هشام ٣، والبداية والنهاية ٤، وزاد المعاد ٣.
(¬١٠) انظر قصة الإفك في البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب حديث الإفك ٧، برقم ٤١٤١، وكتاب التفسير، سورة النور، باب: (وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) ٨، برقم ٤٧٥٠، ومسلم، كتاب التوبة، باب حديث الإفك ٤، برقم ٢٧٧٠، وزاد المعاد ٣ - ٢٦٨.
(¬١١) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة المنافقون، باب (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) ٨، ٦٥٢، برقم ٤٩٠٥، وفي كتاب المناقب، باب ما ينهى عنه من دعوى الجاهلية ٦، برقم ٣٥١٨، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا ٤، برقم ٢٥٨٤، وانظر: سيرة ابن هشام ٣.
(¬١٢) والحديث في البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة المنافقون، باب قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ) ٨، برقم ٤٩٠٤، ومسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ٤، برقم ٢٧٧٢.
(¬١٣) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة المنافقون، باب (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) ٨، ٨، ٦، برقم ٤٩٠٥، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا ٤، برقم ٦٣ – (٢٥٨٤) .
(¬١٤) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ٤، وانظر: شرح النووي على مسلم ١٦، وهذا الحبيب يا محبُّ ص٣٣٦.