رحمه للعالمين - القحطاني، سعيد بن وهف - الصفحة ١٥٥
[المبحث الثامن والعشرون اختياره صلى الله عليه وسلم الرفيق الأعلى]
[اختياره صلى الله عليه وسلم الرفيق الأعلى]
المبحث الثامن والعشرون
اختياره صلى الله عليه وسلم الرفيق الأعلى عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كنت أسمع أنه لا يموت نبي حتى يخيَّر بين الدنيا والآخرة، فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه وأخذته بُحَّةٌ (¬١) [شديدة] يقول: {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: ٦٩] قالت: فظننته خُيِّر حينئذ» (¬٢) .
وفي رواية عنها رضي الله عنها أنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صحيح يقول: "إنه لم يقبض نبي قط حتى يُرى مقعده من الجنة ثم يخيَّر" قالت: فلما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم (¬٣) ورأسه على فخذي غُشِيَ عليه ساعة ثم أفاق فأشخص بصرهُ إلى السقف ثم قال: "اللهم في الرفيق الأعلى" فقلت: إذًا لا يختارنا، وعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا وهو صحيح، قالت: فكان آخر كلمة تكلم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم الرفيقَ الأعلى» (¬٤) . وقالت رضي الله عنها: «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو مسند إليَّ ظهره يقول: اللهم اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى» (¬٥) وكان صلى الله عليه وسلم متصل بربه وراغبًا فيما عنده، ومُحبًّا للقائه، ومُحبًّا لما يُحبُّه سبحانه، ومن ذلك السواك؛ لأنه مطهرة للفم مرضاة للرب، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «إن من نعم الله عليَّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتي، وفي يومي، وبين سحري (¬٦) ونحري (¬٧) وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، دخل عليَّ عبد الرحمن [بن أبي بكر] وبيده السواك وأنا مسندة رسول الله صلى الله عليه وسلم [إلى صدري] (¬٨) فرأيته ينظر إليه وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فتناولته فاشتد عليه، وقلتُ أُليِّنه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فلينته [وفي رواية: فقصمته، ثم مضغته (¬٩) وفي رواية فقضمته ونفضته وطيبته (¬١٠) ثم دفعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستنَّ به (¬١١) فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استن استنانًا قَطُّ أحسن منه] (¬١٢) وبين يديه ركوة (¬١٣) أو علبة (¬١٤) فيها ماء، فجعل يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: "لا إله إلا الله إن للموت سكرات"، ثم نصب يده فجعل يقول: "في الرفيق الأعلى" حتى قبض ومالت يده» (¬١٥) صلى الله عليه وسلم.
وقالت عائشة رضي الله عنها: «مات النبي صلى الله عليه وسلم وإنه لبين حاقنتي (¬١٦) وذاقنتي (¬١٧) فلا أكره شدة الموت لأحد أبدًا بعد النبي صلى الله عليه وسلم» (¬١٨) .
¬
(¬١) البُحةُ: غِلظٌ في الصوت. انظر: شرح النووي ١٥.
(¬٢) البخاري برقم ٤٤٣٦، ٤٤٣٧، ٤٤٦٣، ٤٥٨٦، ٦٣٤٨، ٦٥٠٩، ومسلم برقم ٢٤٤٤.
(¬٣) وفي البخاري «فلما اشتكى وحضره القبض» رقم ٤٤٣٧.
(¬٤) البخاري برقم ٤٤٣٧، ٤٤٦٣ ومسلم ٢٤٤٤.
(¬٥) البخاري برقم ٤٤٤٠، ٥٦٦٤.
(¬٦) سحري: هو الصدر، وهو في الأصل: الرئة وما تعلق بها. الفتح ٨، والنووي ١٥.
(¬٧) ونحري: النحر هو موضع النحر. الفتح ٨.
(¬٨) في البخاري رقم ٤٤٣٨.
(¬٩) في البخاري برقم ٩٨٠.
(¬١٠) طيبته: بالماء، ويتحمل أن يكون تطييبه تأكيدًا للينه، الفتح ٨.
(¬١١) أي استاك به وأَمَرَّهُ على أسنانه.
(¬١٢) في البخاري برقم ٤٤٣٨.
(¬١٣) الركوة: إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء. انظر: النهاية في غريب الحديث ٢.
(¬١٤) شك بعض الرواة وهو عمر، انظر: الفتح ٨.
(¬١٥) البخاري ٢، برقم ٨٩٠، وأخرجه البخاري في تسعة مواضع، انظر: ٢، ومسلم برقم ٢٤٤٤.
(¬١٦) الحاقنة: ما سفل من الذقن وقيل غير ذلك، الفتح ٨.
(¬١٧) والذاقنة: ما علا من الذقن وقيل غير ذلك، الفتح ٨، والحاصل أن ما بين الحاقنة والذاقنة: هو ما بين السحر والنحر، والمراد أنه مات ورأسه بين حنكها وصدرها. الفتح ٨.
(¬١٨) البخاري برقم ٤٤٤٦، ومسلم برقم ٢٤٤٣.