رحمه للعالمين - القحطاني، سعيد بن وهف - الصفحة ٦٦
[المثال الثالث عدله مع أهله صلى الله عليه وسلم]
المثال الثالث: عدله مع أهله صلى الله عليه وسلم: عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملكُ فلا تلُمني فيما تَمْلِكُ ولا أَمْلِكُ» (¬١) .
وقد قسم النبي صلى الله عليه وسلم فعدل بين نسائه، وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يقول: قوله: "فلا تلمني فيما تملك" يعني القلب، وما يتعلق به؛ فإن المحبة والمودة شيء في القلب، لا يستطيع الزوج أَنْ يسوِّيَ بينهنَّ فيه، وله أسباب تحبب المرأة إلى زوجها: من دينها، وشبابها، وغير ذلك، وإنما يملك العبد القسم بينهن بالسوية في الليل والنهار، والنفقة وإحسان العشرة، وطيب الكلام، أما الشيء الذي يتعلق بالقلب والشهوة فهذا لا يملكه) (¬٢) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كانت له امرأتان فمال إلى إِحداهما جاء يوم القيامة وشِقُّهُ مائل» (¬٣) .
وهذا الحديث يدل على تحريم الميل الذي يستطيعه الإنسان، أما الميل الذي لا يستطيعه فالله يقول: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: ٢٨٦] ، {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: ١٦] ، وقال: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} [النساء: ١٢٩] ، وفي هذا الحديث الوعيد لمن تعمَّد الجور والظلم، وأنه يأتي يوم القيامة وشقه مائل، وهذه عقوبة ظاهرة (¬٤) .
ومن سنته صلى الله عليه وسلم أن من تزوَّج بكرًا أقام عندها سبع ليالٍ ثم قسم بين زوجاته إذا كان له أكثر من واحدة؛ لحديث أنس رضي الله عنه قال: «من السُّنَّة إذا تزوَّج الرجل البكر على الثيِّب أقام عندها سبعًا ثم قسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا ثم قسم» (¬٥) .
وعن أم سلمة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوَّجها أقام عندها ثلاثًا، وقال: "إنه ليس بك على أهلك هوان (¬٦) إن شئت سبَّعتُ لَكِ، وإن سبَّعتُ لَكِ سبَّعْتُ لنسائي» (¬٧) .
وعن عائشة رضي الله عنها: «أن سودة بنتُ زَمْعةَ وَهبت يومها لعائشة، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة» (¬٨) .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُفضِّل بعضنا على بعضٍ في القَسْمِ من مكثه عندنا، وكان قلَّ يومٍ إلا وهو يطوف علينا جميعًا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى التي هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنتُ زَمعة حين أسنت (¬٩) وفَرِقت (¬١٠) أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله يومي لعائشة، فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، قالت: نقول في ذلك: أنزل الله تعالى وفي أشباهها - أُرَاه قال - {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا} [النساء: ١٢٨] » (¬١١) .
وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يقول: تزوج النبي صلى الله عليه وسلم سودة بعد خديجة وَقَبْلَ عائشة وطالت حياتها معه فلما أسنت وخافت أن يطلقها قالت: «يا رسول الله: يومي لعائشة» . رواه أبو داود وإسناده جيد، وهذا يدل على أنه لا بأس أن تتنازل المرأة عن يومها لإحدى ضرَّاتها إذا رضي الزوج، فيكون للموهوبة يومان ولغيرها يوم (¬١٢) .
وقد كان هذا الوقت المشترك بعد العصر؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلَّى العصر دار على نسائه ثم يدنو منهن. . .» (¬١٣) وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يقول: وهذا يدل على حسن عشرته صلى الله عليه وسلم، فقد كان خير الناس لأهله، فكان يطوف عليهن كل عصر يتفقد أحوالهنَّ وحاجاتهنَّ وذلك من غير جماع، وربما طاف بهنَّ وجامعهن كما في حديث أنس، بغسل واحد، ولعل هذا نادر والجمع بين حديث عائشة هذا وحديث أنس أنه في الغالب من غير مسيس وربما جامع، فالمثبت مقدم على النافي (¬١٤) .
ولفظ حديث أنس رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة قال الراوي لأنس: أَوَكان يُطيقه؟ قال: كُنَّا نتحدَّثُ أنه أُعطي قوَّة ثلاثين» ، وقال سعيد عن قتادة أن أنسًا حدثهم (تسع نسوة) (¬١٥) وقد حمل الحافظ ابن حجر أنه ضمَّ مارية، وريحانة: جاريتيه إلى زوجاته التسع، وأطلق عليهن (نسائه) تغليبًا (¬١٦) وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يقول: (هذه قوة عظيمة عنده تسع نسوة، وجاريتان: ريحانة، ومارية) (¬١٧) (وهذا يدل على أن الرجل له أن يجامع زوجاته [في الوقت المشترك بينهن] تأسيًا به صلى الله عليه وسلم، وهذا من خلقه الكريم) ، وفي حديث أنس قال: «كان للنبي صلى الله عليه وسلم تسع نسوة فكان إذا قسم بينهن لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلا في تسع فَكُنَّ يجتمعن كل ليلة في بيت التي يأتيها. . .» (¬١٨) . وسمعت شيخنا ابن باز يقول: (وهذا عِلاوة على طوافه عليهن كل عصر، وهذا يكسبهن تعارفًا وإبعادًا عن الوحشة؛ فإن بين الضرات وحشة، فاجتماعهن كل ليلة يسبب التآلف) (¬١٩) .
ومن عدله صلى الله عليه وسلم بين نسائه أنه كان إذا أراد سفرًا أقرع بينهن، قالت عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه» (¬٢٠) .
ومن عدله وكرم أخلاقه صلى الله عليه وسلم ما قاله أنس رضي الله عنه، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين صحفةً فيها طعام، فضربت التي النبيُّ صلى الله عليه وسلم في بيتها يدَ الخادم فسقطت الصحفةُ فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فِلَقَ الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: "غارت أُمُّكم" ثم حبس الخادم حتى أُتِيَ بصحفةٍ من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كُسِرَتْ صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كُسِرَت فيه» (¬٢١) .
هذه الأحاديث تدل على عِظَمِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وعلى عدله مع نسائه، وحسن خلقه معهن، وملاطفتهن، والقيام بحقوقهن صلى الله عليه وسلم.
¬
(¬١) أبو داود، برقم ٢١٣٤، والترمذي برقم ١١٤٠، والنسائي ٧، وابن ماجه، برقم ١٩٧١، وسمعت ابن باز يقول أثناء تقريره على بلوغ المرام: (إسناده جيد) .
(¬٢) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ١٠٨٤.
(¬٣) أحمد ٢، وأبو داود برقم ٢١٣٣، والترمذي برقم ١١٤١، والنسائي، ٧، وابن ماجه برقم ١٩٦٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ١.
(¬٤) سمعته من شيخنا ابن باز أثناء تقريره على بلوغ المرام.
(¬٥) متفق عليه، واللفظ للبخاري: البخاري، برقم ٥٢١٤، ومسلم، برقم ١٤٦١.
(¬٦) هوان: يعني ليس لكِ عندي هوان
(¬٧) مسلم، برقم ١٤٦٠.
(¬٨) البخاري برقم ٥٢١٢، ومسلم برقم ١٤١٣.
(¬٩) أسنت: كبرت في السن.
(¬١٠) فرِقت: خافت.
(¬١١) أبو داود، برقم ٢١٣٥، وقال الألباني في صحيح أبي داود، ١: «حسن صحيح» ، وأصل هبة سودة يومها لعائشة في صحيح مسلم برقم ١٤٦٣ وصحيح البخاري برقم ٥٢١٢.
(¬١٢) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام الحديث رقم ١٠٨٩.
(¬١٣) البخاري برقم ٥٢٦٨، ومسلم واللفظ له برقم ١٤٧٤.
(¬١٤) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام الحديث رقم ١٠٨٩.
(¬١٥) البخاري، برقم ٢٦٨، ٢٨٤، ٥٠٦٨، ٥٢١٥.
(¬١٦) فتح الباري، ١.
(¬١٧) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٢٦٨، بتاريخ ٢٣ هـ.
(¬١٨) مسلم، برقم ١٤٦٢.
(¬١٩) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث ١٠٨٩.
(¬٢٠) البخاري، برقم ٢٥٩٣، ومسلم برقم ٢٧٧٠.
(¬٢١) البخاري، برقم ٥٢٢٥ و٢٤٨١.