رحمه للعالمين - القحطاني، سعيد بن وهف - الصفحة ٦٤
[من الأمثلة العظيمة في تطبيق النبي صلى الله عليه وسلم العدل]
[المثال الأول مع المرأة المخزوميَّة التي سرقت]
العدل له مجالات كثيرة لا تحصر منها: العدل في الولاية، والعدل في القضاء، والعدل في تطبيق الحدود، والعدل في المعاملات بين الناس، والعدل في الإصلاح بين الناس، والعدل مع الأعداء، والعدل مع الأولاد، والعدل بين الزوجات. . . وغير ذلك.
ومن الأمثلة العظيمة في تطبيق النبي صلى الله عليه وسلم العدل الأمثلة الآتية: المثال الأول: مع المرأة المخزوميَّة التي سرقت: قد كان النبي صلى الله عليه وسلم أعدل البشر في جميع أموره وأحكامه، ومما يضرب به المثل في عدله إلى يوم القيامة قصة المخزومية التي سرقت فقطع يدها بعد أن شفع فيها أسامة، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحابِ في ذلك، ولم يقبل الشفاعة في حد من حدود الله تعالى.
فعن عائشة - رضي الله عنها - «أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح، فقالوا: من يُكلِّم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُتيَ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلوَّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أتشفع في حد من حدود الله؟ " فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله! فلما كان العشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختطب فأثنى على الله بما هو أهله، فقال: "أما بعد، أيها الناس: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» .
ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها.
قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد، وتزوجت، وكانت تأتيني فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (¬١) .
إن العدل خلاف الجور، وقد أمر الله - عز وجل - به في القول والحكم، فقال تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام: ١٥٢] وقال: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: ٥٨] .
ولاشك أن هذا الخلق العظيم وغيره من أخلاقه صلى الله عليه وسلم مما يوجب على المسلم تطبيقها أسوة به صلى الله عليه وسلم (¬٢) .
¬
(¬١) البخاري مع الفتح بنحوه مختصرًا في كتاب الحدود، باب إقامة الحد على الشريف والوضيع ١٢، برقم ٦٧٨٦، وباب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان ١٢، برقم ٦٧٨٨ ٦، برقم ٣٤٧٥، ٥، برقم ٢٦٤٨، ورواه مسلم بلفظه في كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره، والنهي عن الشفاعة في الحدود ٣، برقم ١٦٨٨، وانظر: شرح النووي ١١، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري ١٢، ٩٦.
(¬٢) انظر مواقف حكيمة في هذا الشأن في: سنن أبي داود ٢، والترمذي ٣، والنسائي ٧، وانظر أيضًا: البخاري مع الفتح ٣، برقم ١٤٢٣، ٢، برقم ٦٤٠، ١١، برقم ٦٤٧٩، ١٢، برقم ٦٨٠٦، ومسلم ٣، برقم ١٨٢٧ - ١٨٣٠ وهذا الحبيب يا محبُّ ص٥٣٤، ٥٣٥.