رحمه للعالمين - القحطاني، سعيد بن وهف - الصفحة ١٠٦
[المثال الثالث شجاعته صلى الله عليه وسلم في معركة حنين]
المثال الثالث: شجاعته صلى الله عليه وسلم في معركة حنين: «بعد أن دارت معركة حنين والتقى المسلمون والكفار، ولَّى المسلمون مدبرين (¬١) فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قِبَلَ الكفار. . . ثم قال: "أي عباس، ناد أصحاب السمرة" فقال عباس: - وكان رجلًا صيِّتًا - فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عَطْفَتهم حين سمعوا صوتي عَطْفَة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك، يا لبيك، قال: فاقتتلوا والكفار. . . فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال صلى الله عليه وسلم: "الآن حمي الوطيس» (¬٢) .
وظهرت شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم التي لا نظير لها في هذا الموقف الذي عجز عنه عظماء الرجال (¬٣) .
«وسئل البراء، فقال له رجل: يا أبا عمارة، أكنتم وليتم يوم حنين؟ قال: لا والله ما ولَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه خرج شبان أصحابه (¬٤) وأخفاؤهم (¬٥) حسرًا (¬٦) ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح، فلقوا قومًا رماة لا يكاد يسقط لهم سهم، جمع هوازن، وبني نَصْرٍ، فرشقوهم رشقًا (¬٧) ما يكادون يخطئون، فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان بن الحارث يقود بغلته، فنزل ودعا واستنصر وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
اللهم نزِّل نصرك» (¬٨)
قال البراء: «كنا والله إذا احمرَّ البأس (¬٩) نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني النبي صلى الله عليه وسلم» (¬١٠) .
وفي رواية لمسلم عن سلمة قال: «مررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهزمًا (¬١١) وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد رأى ابن الأكوع فزعاً". فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال: "شاهت الوجوه" (¬١٢) فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله - عز وجل -، وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين» (¬١٣) .
وقد قال العلماء: إن ركوب النبي صلى الله عليه وسلم البغلة في موضع الحرب وعند اشتداد البأس هو النهاية في الشجاعة والثبات؛ ولأنه أيضًا يكون معتمدًا يرجع الناس إليه، وتطمئن قلوبهم به وبمكانه، وإنما فعل هذا عمدًا، وإلا فقد كانت له صلى الله عليه وسلم أفراس معروفة.
ومما يدل على شجاعة تقدمه صلى الله عليه وسلم وهو يركض بغلته إلى جمع المشركين، وقد فر الناس عنه، ونزوله إلى الأرض حين غشوه مبالغة في الشجاعة والصبر، وقيل: فعل ذلك مواساة لمن كان نازلًا على الأرض من المسلمين، وقد أخبر الصحابة - رضي الله عنهم - بشجاعته صلى الله عليه وسلم في جميع المواطن (¬١٤) .
¬
(¬١) كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة ألفان من أهل مكة، مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه من المدينة ففتح بهم. انظر: زاد المعاد ٣.
(¬٢) مسلم، في كتاب الجهاد والسير، باب: غزوة حنين، وقد اختصرت ألفاظه ٣، برقم ١٧٧٥.
(¬٣) انظر: الرحيق المختوم ص٤٠١، وهذا الحبيب يا محب ص٤٠٨.
(¬٤) جمع شباب. شرح النووي لمسلم ١٢.
(¬٥) جمع خفيف، وهم المسارعون المستعجلون. شرح النووي لمسلم ١٢.
(¬٦) حسرًا: جمع حاسر، أي بغير دروع، وقد فسره بقوله: ليس عليهم سلاح. شرح النووي لمسلم ١٢.
(¬٧) رشقا: هو بفتح الراء، وهو مصدر، وأما الرشق بالكسر فهو اسم للسهام التي ترميها الجماعة دفعة واحدة. انظر: شرح النووي ١٢.
(¬٨) مسلم، في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين، مع التصرف في بعض الكلمات ٣، برقم ١٧٧٦، والبخاري مع الفتح، كتاب الجهاد، باب من صف أصحابه عند الهزيمة ونزل عن دابته فاستنصر ٦، ٨، ٢٨، برقم ٢٩٣٠.
(¬٩) إذا احمر البأس: كناية عن شدة الحرب، واستعير ذلك لحمرة الدماء الحاصلة فيها في العادة. انظر: شرح النووي ١٢.
(¬١٠) رواه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين ٣، برقم ٧٩ - (١٧٧٦) .
(¬١١) قال العلماء: قوله: «منهزماً» حال من ابن الأكوع، وليس النبي - صلى الله عليه وسلم -. انظر: شرح النووي ١٢.
(¬١٢) شاهت الوجوه، أي: قبحت. انظر: شرح النووي ١٢.
(¬١٣) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين ٣، برقم ١٧٧٧.
(¬١٤) انظر: شرح النووي على مسلم ١٢.