رحمه للعالمين - القحطاني، سعيد بن وهف - الصفحة ٧٣
[المثال الثالث مع الطفيل بن عمرو رضي الله عنه]
المثال الثالث: مع الطفيل بن عمرو رضي الله عنه: من مواقف الحلم ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الطفيل بن عمرو الدوسي - رضي الله عنه -، فقد أسلم الطفيل - رضي الله عنه - قبل الهجرة في مكة، ثم رجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فبدأ بأهل بيته، فأسلم أبوه وزوجته، ثم دعا قومه وعشيرته إلى الله - عز وجل - فأبت عليه وعصت، وأبطؤوا عليه، فجاء الطفيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر له أن دوسًا هلكت وكفرت وعصت وأبت.
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «جاء الطفيل بن عمرو الدوسي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن دوسًا قد عصت وأبت، فادع الله عليهم، فاستقبل رسول الله القبلة ورفع يديه، فقال الناس: هلكوا. فقال: اللهم اهد دوسًا وائت بهم، اللهم اهد دوسًا وائت بهم» (¬١) .
وهذا يدل على حلم النبي صلى الله عليه وسلم وصبره وتأَ نِّيه في الدعوة إلى الله - عز وجل -؛ فإنه صلى الله عليه وسلم لم يعجل بالعقوبة، أو الدعاء على من رد الدعوة؛ ولكنه صلى الله عليه وسلم دعا لهم بالهداية، فاستجاب الله دعاءه، وحصل على ثمرة الصبر والتأنِّي وعدم العجلة، فقد رجع الطفيل إلى قومه، ورفق بهم، فأسلم على يديه خلقٌ كثير، ثم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر، فدخل المدينة بثمانين أو تسعين بيتًا من دوس، ثم لحقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم بخيبر، فأسهم لهم مع المسلمين (¬٢) .
الله أكبر! ما أعظمها من حكمةٍ أسلم بسببها ثمانون أو تسعون أسرة.
وهذا مما يوجب على الدعاة إلى الله - عز وجل - العناية بالحلم في دعوتهم، ولا يحصل لهم ذلك إلا بفضل الله ثم بمعرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته.
¬
(¬١) البخاري مع الفتح، في كتاب الجهاد، باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم ٦، برقم ٢٩٣٧، وفي كتاب المغازي، باب قصة دوس والطفيل بن عمرو الدوسي ٨، برقم ٤٣٩٢، وفي كتاب الدعوات، باب الدعاء على المشركين ١١، برقم ٦٣٩٧، ومسلم، في كتاب فضائل الصحابة، باب فضل غفار وأسلم وجهينة وأشجع وتميم ودوس وطي ٤، برقم ٢٥٢٤، وأخرجه أحمد واللفظ له ٢، ٤٤٨، وانظر: البداية والنهاية ٦، ٣، وسيرة ابن هشام ١.
(¬٢) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ١، وزاد المعاد ٣، والإصابة في تمييز الصحابة ٢.