رحمه للعالمين - القحطاني، سعيد بن وهف - الصفحة ٥٧
[المبحث السابع حسن خلقه صلى الله عليه وسلم]
[أولًا ترغيبه صلى الله عليه وسلم في حسن الخلق]
المبحث السابع
حسن خلقه صلى الله عليه وسلم أولًا: ترغيبه صلى الله عليه وسلم في حسن الخلق لا يُحصَى من دخل في الإسلام بسبب خلق النبي الكريم عليه الصلاة والسلام سواء كان ذلك الخلق الحسن من: جوده أو كرمه، أو عفوه أو صفحه، أو حلمه أو أناته، أو رفقه أو صبره، أو تواضعه أو عدله، أو رحمته أو منِّه، أو شجاعته وقوته. .
وقد رغَّب النبي صلى الله عليه وسلم في حسن الخلق في مجالات عديدة منها ما يأتي:
١ - الخلق الحسن في حياة المسلم عامة، وفي حياة الدعاة إلى الله تعالى خاصة من أعظم روابط الإيمان وأعلى درجاته، لقوله صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا» (¬١) .
٢ - الخلق الحسن ضرورة اجتماعية لجميع المجتمعات، وهو من أعظم المهمات التي تتعين على جميع الدعاة إلى الله تعالى؛ لأن من تخلَّق به كان من أحب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأقربهم منه مجلسًا يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: «إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا» (¬٢) .
٣ - الخلق الحسن يجعل المسلم من أحسن الناس، ومن خيارهم مطلقًا، ولا يكون كذلك إلا بالتخلق بهذا الخلق العظيم، قال صلى الله عليه وسلم: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا» (¬٣) .
وقد أحسن الشاعر إذ يقول:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
٤ - الخلق الحسن من أعظم القربات وأجلِّ العطايا والهبات، والداعية إلى الله تعالى هو من أحق الناس بهذا الخير العظيم؛ ليطبقه على نفسه، ويدعو الناس إليه؛ ليحصل على الثواب الجزيل، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن» (¬٤) وقال صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم» (¬٥) وقال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو: «أربع إذا كن فيك فما عليك ما فاتك من الدنيا: حفظُ أمانةٍ، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة» (¬٦) وبهذا يحصل المسلم على جوامع الخيرات والبركات، قال صلى الله عليه وسلم: «البر حسن الخلق» (¬٧) .
٥ - الخلق الحسن هو وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جميع المسلمين، وخاصة الدعاة، فقد أوصى به صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل حينما بعثه إلى اليمن واليًا، وقاضيًا، وداعيًا إلى الله فقال له: «. . . وخالق الناس بخلق حسن» (¬٨) .
٦ - الخلق الحسن ذو أهمية بالغة؛ لأن الله عز وجل أمر به نبيه الكريم، وأثنى عليه به، وعظم شأنه الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم. قال عز وجل: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: ١٩٩] ، وقال سبحانه وتعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: ٤] ، وقال عليه الصلاة والسلام: «إنما بعثتُ لِأُتمِّمَ مكارم الأخلاق» (¬٩) وسئلت عائشة رضي الله عنها عن خلقه صلى الله عليه وسلم فقالت: «. . . فإن خلق نبيكم صلى الله عليه وسلم كان القرآن» (¬١٠) .
٧ - الخلق الحسن من أعظم الأساليب التي تجذب الناس إلى الإسلام، والهداية، والاستقامة؛ ولهذا من تتبع سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام وجد أنه كان يلازم الخلق الحسن في سائر أحواله وخاصة في دعوته إلى الله تعالى، فأقبل الناس ودخلوا في دين الله أفواجًا بفضل الله تعالى ثم بفضل حسن خلقه صلى الله عليه وسلم، فكم دخل في الإسلام بسبب خلقه العظيم، فهذا يسلم ويقول: «والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إليَّ» (¬١١) وذاك يقول: «اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا» (¬١٢) تأثر بعفو النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتركه على تحجيره رحمة الله التي وسعت كل شيء، بل قال له: «لقد تحجرت واسعًا» ، والآخر يقول: «فبأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه» (¬١٣) والرابع يقول: «يا قومي أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة» (¬١٤) والخامس يقول: «والله لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ» (¬١٥)) ، والسادس يقول: بعد عفو النبي صلى الله عليه وسلم عنه (¬١٦) «جئتكم من عند خير الناس» ، ثم يدعو قومه للإسلام فأسلم منهم خلق كثير (¬١٧) . وهناك أمثلة كثيرة جدًا.
٨ - الخلق الحسن هو أمنية كل مسلم وكل داعية مخلص خاصة؛ لأنه بذلك ينجو ويفوز وينجح في جميع أموره الخاصة والعامة؛ ولهذه الأهمية كان صلى الله عليه وسلم يدعو ربه أن يهديه للخلق الحسن، فكان صلى الله عليه وسلم يقول في استفتاحه لصلاة الليل: «واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت. . .» (¬١٨) وكان يقول: «اللهم كما أحسنت خَلْقي فحسِّن خُلُقي» (¬١٩) .
٩ - الخلق الحسن يُحبب صاحبه إلى الناس جميعًا حتى أعدائه، ويتمكن بذلك من إرضاء الناس على اختلاف طبقاتهم، وكل من جالسه أو خالطه أحبه، وبهذا يسهل على الداعية إدراك مطالبه السامية بإذن الله تعالى؛ لأن الدعاة إلى الله عز وجل لا يسعون الناس بأموالهم ولكن ببسط الوجه وحسن الخلق.
١٠ - إن من لم يتخلق بالخلق الحسن من الدعاة ينفر الناس من دعوته، ولا يستفيدون من علمه وخبرته؛ لأن من طبائع الناس أنهم لا يقبلون ممن يستطيل عليهم أو يبدو منه احتقارهم، واستصغارهم، ولو كان ما يقوله حقًا. قال عز وجل للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: ١٥٩] ، وقال عز وجل: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: ٢١٥] ، وقال عز وجل مُمْتَنًّا على عباده: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: ١٢٨] ، وقال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [آل عمران: ١٦٤] الآية، وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: ١٠٧] ، وقال: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: ٢٩] ، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا - وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا} [الأحزاب: ٤٥ - ٤٧] ، ولا شك أنه يتعين على كل داعية أن يتخذه عليه الصلاة والسلام قدوة وإمامًا لقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: ٢١] .
١١ - إن صلاح الأمة وهدايتها والنهوض بها لا يكون سليمًا نقيًا إلا بالأخذ من المنبع الصافي، والبعد عن الأفكار الهدامة المنحرفة، والتزام الدعاة إلى الله تعالى بالخلق الحسن ودعوة الناس إليه هو من هذا المنبع، وتطبيق ذلك على أنفسهم، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ - كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: ٢ - ٣] ؛ ولهذا أمر الله بالعلم قبل العمل، وبالعمل قبل الدعوة إليه، فقال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: ١٩] الآية، وقال: {وَالْعَصْرِ - إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ - إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: ١ - ٣] فقدم العمل قبل الدعوة إلى الحق.
١٢ - الخلق الحسن في الدعوة يجعل الداعية مستنير القلب، ويفتح مداركه، فيتبصر به مواطن الحق، ويهتدي به إلى الوسائل والأساليب الصحيحة في دعوة الناس الملائمة للظروف والأحوال، والأشخاص {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال: ٢٩] الآية.
١٣ - الخلق الحسن في الدعوة من أعظم الأسباب التي تنجي من النار وتورث الفوز بأعلى الدرجات في جنات النعيم وهذا هو غاية كل مسلم بعد رضى الله عز وجل، ولهذا عندما سأل صلى الله عليه وسلم رجلًا فقال له: «ما تقول في الصلاة؟ " قال: أتشهَّد ثم أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار. أما والله! ما أحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ. فقال صلى الله عليه وسلم "حولها نُدَنْدِنُ» (¬٢٠) وهذا يدل أن جميع الأقوال والدعوات والأعمال؛ إنما هو من أجل الفوز بالجنة والنجاة من النار بعد رضى الله عز وجل.
وقد تكفل صلى الله عليه وسلم ببيت في أعْلى الجنة لمن حسَّن خلقه فقال: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسَّن خلقه» (¬٢١) .
١٤ - الخلق الحسن من أكثر الأعمال التي يدخل بها المسلم الجنة، «فقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: "تقوى الله وحسن الخلق» (¬٢٢) ويبين صلى الله عليه وسلم: أن النار تحرم على كل قريب هَيِّنٍ سهل. فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أُخبركم بمن يحرم على النار - أو بمن تَحرُمُ عليه النار -؟ ! على كُلِّ قريبٍ هيِّنٍ لَيِّنٍ» (¬٢٣) .
¬
(¬١) أخرجه الترمذي ٣ برقم ١١٦٢، وأبو داود ٤ برقم ٤٦٨٢، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي ١.
(¬٢) أخرجه الترمذي ٤ برقم ٢٠١٩، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢.
(¬٣) البخاري مع الفتح ١٠، برقم ٦٠٢٩، ومسلم ٤ برقم ٢٣٢١.
(¬٤) أبو داود ٤ برقم ٤٧٩٩، والترمذي ٤، برقم ٢٠٠٢، وصححه الألباني في صحيح أبي داود ٣.
(¬٥) أبو داود ٤ برقم ٤٧٩٨ وصححه الألباني في صحيح أبي داود ٣.
(¬٦) أحمد في المسند بإسناد جيد ٢، وانظر: صحيح الجامع الصغير للألباني ١ برقم ٨٨٦.
(¬٧) مسلم ٤ برقم ٢٥٥٣.
(¬٨) الترمذي ٤، برقم ٢٣٨٩، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢.
(¬٩) البيهقي في السنن الكبرى بلفظه ١٠، وأحمد ٢، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ٢، وانظر: الأحاديث الصحيحة للألباني ١ برقم ٤٥.
(¬١٠) مسلم في صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض ١، برقم ٧٤٦.
(¬١١) البخاري مع الفتح ٨، برقم ٤٣٧٢، ومسلم ٣، برقم ١٧٦٤.
(¬١٢) البخاري مع الفتح ١٠، برقم ٦٠١٠.
(¬١٣) مسلم ١، برقم ٥٣٧.
(¬١٤) مسلم ٤، برقم ٢٣١٢.
(¬١٥) مسلم ٤، برقم ٢٣١٣.
(¬١٦) البخاري، برقم ٢٩١٠، ومسلم، برقم ٨٤٣.
(¬١٧) انظر: فتح الباري ٧.
(¬١٨) مسلم ١، برقم ٧٧٠.
(¬١٩) البيهقي وأحمد ٦، وصححه الألباني في إرواء الغليل ١ برقم ٧٤.
(¬٢٠) أبو داود، برقم ٧٩٢، وأحمد ٣، وابن ماجه، برقم ٣٨٤٧، وانظر: صحيح ابن ماجه ٢.
(¬٢١) أبو داود، برقم٤٨٠٠، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود ٣، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ٢٧٣.
(¬٢٢) الترمذي ٤ برقم ٢٠٠٥، وانظر: جامع الأصول ١١ وحسنه الألباني في صحيح الترمذي ٢.
(¬٢٣) الترمذي ٤ برقم ٢٤٨٨، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢. وانظر: جامع الأصول ١١.