رحمه للعالمين - القحطاني، سعيد بن وهف - الصفحة ١٦٣
[المبحث الثاني والثلاثون ميراثه صلى الله عليه وسلم]
[ميراثه صلى الله عليه وسلم]
المبحث الثاني والثلاثون
ميراثه صلى الله عليه وسلم عن عمرو بن الحارث رضي الله عنه قال: «ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته: دِرْهمًا، ولا دينارًا، ولا عبدًا، ولا أمَةً، ولا شيئًا، إلا بغلته البيضاء [التي كان يركبها] وسلاحه، [وأرضًا بخيبر] جعلها [لابن السبيل] صدقة» (¬١) . وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارًا، ولا درهمًا، ولا شاة، ولا بعيرًا، ولا أوصى بشيء» (¬٢) (¬٣) .
وقال صلى الله عليه وسلم: «لا نورث ما تركنا فهو صدقة» (¬٤) وذلك لأنه لم يبعث صلى الله عليه وسلم جابيًا للأموال وخازنًا إنما بعث هاديًا، ومبشراًًً، ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا، وهذا هو شأن أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يُوَرِّثوا دينارًا ولا درهمًا إنما وَرَّثُوا العلم فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر» (¬٥) .
وقد فَهِمَ الصحابة رضي الله عنهم ذلك، فعن سليمان ابن مهران: بينما ابن مسعود رضي الله عنه يومًا معه نفر من أصحابه إذ مرَّ أعرابي فقال: على ما اجتمع هؤلاء؟ قال ابن مسعود رضي الله عنه: (على ميراث محمد صلى الله عليه وسلم يقسِّمونه) (¬٦) .
فميراث النبي صلى الله عليه وسلم هو الكتاب والسنة والعلم والاهتداء بهديه صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا توفي صلى الله عليه وسلم ولم يترك درهمًا، ولا دينارًا، ولا عبدًا، ولا أمة، ولا بعيرًا، ولا شاة، ولا شيئًا، إلا بغلته وأرضًا جعلها صدقة لابن السبيل.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «توفي النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير» (¬٧) . وهذا يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتقلل من الدنيا، ويستغني عن الناس؛ ولهذا لم يسأل الصحابة أموالهم أو يقترض منهم؛ لأن الصحابة لا يقبلون رهنه وربما لا يقبضوا منه الثمن، فعدل إلى معاملة اليهودي؛ لئلا يضيِّق على أحد من أصحابه صلى الله عليه وسلم (¬٨) . وقد كان صلى الله عليه وسلم يصيبه الجوع وهو حي؛ ولهذا يمر ويمضي الشهر والشهران وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار، «قال عروة لعائشة رضي الله عن الجميع: ما كان يقيتكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء. . .» (¬٩) . ومع هذا كان يقول صلى الله عليه وسلم: «مالي وللدنيا ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها» (¬١٠) .
¬
(¬١) البخاري ٥، برقم ٢٧٣٩، ٢٨٧٣، ٢٩١٢، ٣٠٩٨، ٤٤٦١، واللفظ من هذه المواضع.
(¬٢) مسلم برقم ١٦٣٥.
(¬٣) أي لم يوص بثلث ماله ولا غيره إذ لم يكن له مال، أما أمور الدين فقد تقدم أنه أوصى بكتاب الله وسنه نبيه، وأهل بيته، وإخراج المشركين من جزيرة العرب، وبإجازة الوفد، والصلاة وملك اليمين وغير ذلك. انظر: شرح النووي ١١.
(¬٤) البخاري في عدة مواضع من حديث عائشة ومالك بن أوس، وأبي بكر رضي الله عنهم، برقم ٣٠٩٣، ٣٧١٢، ٤٠٣٦، ٤٢٤٠، ٥٣٥٨، ٦٧٢٦، و٦٧٢٧، ٧٣٠٥. ومسلم برقم ١٧٥٧، و١٧٥٨، ١٧٥٩، و١٧٦١، واللفظ لعائشة عند مسلم.
(¬٥) أبو داود ٣، برقم ٣٦٤١، والترمذي ٥، برقم ٢٦٨٢، وابن ماجه ١، برقم ٢٢٣، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ١.
(¬٦) أخرجه الخطيب البغدادي بسنده في شرف أصحاب الحديث ص ٤٥.
(¬٧) البخاري برقم ٢٠٦٨ وكرره بفوائده في عشرة مواضع، ومسلم برقم ١٦٠٣، وانظر: جميعها في مختصر البخاري للألباني ٢.
(¬٨) انظر: شرح النووي ١١.
(¬٩) انظر: البخاري مع الفتح ١١، برقم ٦٤٥٩.
(¬١٠) أحمد ٦ وقال ابن كثير في البداية والنهاية ٥، وإسناده جيد، وأخرجه الترمذي، برقم ١٣٧٧، وابن ماجه، برقم ٤١٠٩، وانظر: الأحاديث الصحيحة برقم ٤٣٩، وصحيح الترمذي ٢.