رحمه للعالمين - القحطاني، سعيد بن وهف - الصفحة ١١٥
[المبحث السابع عشر بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم]
[المثال الأول قصة ضماد رضي الله عنه]
المبحث السابع عشر
بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم مما يدل على تأثير القرآن العظيم في القلوب ما قاله جبير بن مطعم رضي الله عنه: «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطُّور، فَلَمَّا بلغ هذه الآية: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ - أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ - أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ} [الطور: ٣٥ - ٣٧] كاد قلبي أن يطير [وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي] » (¬١) .
وهذا يدل على تأثير القرآن الكريم في القلوب، وكذلك أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنها الوحي الثاني ولها تأثير في القلوب أيضًا، ومما يدل على تأثير كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في القلوب وبلاغته الأمثلة الآتية:
المثال الأول: قصة ضماد رضي الله عنه: «عندما قدم ضماد رضي الله عنه مكة، وكان يرقي من الجن، فسمع سفهاءَ من أهل مكة يقولون: إن محمدًا مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله أن يشفيه على يديَّ، فلقيه فقال: يا محمد إني أرقي من هذه الريح (¬٢) وإن الله يشفي على يديَّ من شاء، فهل لك (¬٣) ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الحمدَ لله، نحمدُهُ، ونستعينه، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده وسوله. أما بعد، فقال: أعد عليَّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات. فقال: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بَلَغْنَ ناعوس البحر (¬٤) فقال؛ هات يدك أُبَايِعْكَ على الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعلى قومك؟ قال: وعلى قومي» (¬٥) .
¬
(¬١) متفق عليه: البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة الطور، بابٌ: حدثنا عبد الله بن يوسف، ٦، برقم ٤٨٥٤، وما بين المعكوفين من الطرف رقم ٤٠٢٣ من كتاب المغازي ٥، وأخرجه مسلم بنحوه في كتاب الصلاة، باب القراءة في الصبح، ١، برقم ٤٦٣.
(¬٢) المراد بالريح هنا: الجنون ومس الجن. شرح النووي على صحيح مسلم ٦.
(¬٣) أي فهل لك رغبة في رقيتي، وهل تميل إليها؟ انظر: المرجع السابق ٦.
(¬٤) قيل: ناعوس البحر، وقيل: قاموس البحر، وهو وسطه، ولُجَّتُهُ، أو قعره. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٦.
(¬٥) مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، ٢، برقم ٨٦٨.