أسرار العربيّة - ابن الأنباري - الصفحة ٢٠١ - الباب الأربعون باب مذ ومنذ
إذا قلت : «ما رأيته مذ يومان ومنذ ليلتان» كان المعنى فيه : «ما رأيته من أوّل اليومين إلى آخرهما ، ومن أوّل اللّيلتين إلى آخرهما» ، ولمّا [١] تضمّنا معنى الحرف [٢] ، وجب أن يبنيا ، وبنيت «مذ» على السّكون ؛ لأنّ الأصل في البناء أن يكون على السّكون ، فبنيت على الأصل ، وبنيت «منذ» على الضّمّ ؛ لأنّه لمّا وجب أن تحرّك الذّال ؛ لالتقاء السّاكنين بنيت على الضّمّ ... إتباعا لضمّة الميم ، كما قالوا في «منتن : منتن» فضمّوا التّاء إتباعا لضمّة الميم ؛ ومنهم من يقول : «منتن» فيكسر الميم إتباعا لحركة التّاء [٣] ، ونظير هذين الوجهين ، قراءة من قرأ : (الْحَمْدُ لِلَّهِ)[٤] فضمّ اللّام إتباعا لضمّة الدّال ، وقراءة من قرأ (الْحَمْدُ لِلَّهِ)[٥] فكسر الدّال إتباعا لكسرة اللّام ؛ فلهذا ، كانت «مذ ، ومنذ» مبنيّتين ، وهما تختصّان بابتداء الغاية في الزّمان ، كما أنّ «من» تختصّ بابتداء الغاية في المكان ، وذهب الكوفيّون إلى أنّ «من» تستعمل في (الزّمان ، كما تستعمل في) [٦] المكان ، واستدلّوا على جواز ذلك ، بقوله تعالى : (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ)[٧] ، فأدخل «من» على «أوّل يوم» وهو ظرف زمان ، ويستدلون [٨] ـ أيضا ـ بقول زهير بن أبي سلمى [٩] : [الكامل]
|
لمن الدّيار بقنّة الحجر |
أقوين من حجج ومن دهر [١٠] |
وما استدلّوا به لا حجّة لهم فيه ، أمّا قوله تعالى : (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى
[١] في (س) فلمّا.
[٢] في (ط) الحروف.
[٣] في (س) «كما قالوا في منتن : منتن بكسر الميم إتباعا لكسرة التّاء» ؛ وفيها زيادة إيضاح.
[٤] س : ١ (الفاتحة ، ن : ١ ، مك).
[٤] س : ١ (الفاتحة ، ن : ١ ، مك).
[٥] سقطت من (س).
[٦] س : ٩ (التّوبة ، ن : ١٠٨ ، مد).
[٧] في (س) ويستدلّ.
[٨] زهير : سبقت ترجمته.
[٩] قيل : إنّ هذا البيت مع آخرين بعده ، وضعها حمّاد الرّاوية في مطلع قصيدة زهير التي مدح بها هرم بن سنان. فلمّا أنشدها في مجلس هارون الرّشيد بحضور المفضّل الضّبّي ، قاطعه وحمله على الاعتراف بوضعها.
المفردات الغريبة : قنّة الحجر : اسم موضع ؛ والقنّة في اللّغة أعلى الجبل. الحجر : منازل قوم ثمود عند وادي القرى. حجج : جمع حجّة ، سنة ؛ وهي اسم زمان كالدّهر. أقوين :خلون من السّكّان.
موطن الشّاهد : (من حجج ومن دهر).
موطن الشّاهد : احتجّ بعضهم بهذا الشّاهد على استعمال «من» في الزّمان كاستعمالها في المكان. وقد فنّد المؤلّف هذه الحجّة في المتن.