أسرار العربيّة - ابن الأنباري - الصفحة ٢٠ - ثانيا منهج الأنباريّ النّحويّ في كتاب «أسرار العربيّة»
المفرد ، والباقي بمنزلة المركّب ، والمفرد أصل للمركّب» [١].
وأمّا طرق كتاب «أسرار العربيّة» فقد استقى أبو البركات كثيرا من مادّته من كتابه «الإنصاف في مسائل الخلاف» الذي أشرنا إليه ، ومن كتب البصريّين والكوفيّين على السّواء ؛ وكثيرا ما كان يشير إلى ذلك بقوله : «وقد أوضحنا ذلك في مسائل الخلاف» [٢] أو «وقد أوضحنا ذلك في المسائل الخلافية» [٣] ، ونحو ذلك.
وأمّا أسلوبه في كتابه ، فكان أسلوبا سلسا ، سهلا ، واضحا ، بعيدا عن التّعقيد ، شبيها إلى حدّ ما بأسلوب أبي محمّد الحريريّ [٤] في كتابه «شرح ملحة الإعراب» فلا تحسّ بالجفاف النّحويّ والمنطقيّ الذي تجده في كثير من كتب النّحو التي كتبت في ذلك العصر. والقارئ في كتاب أبي البركات الأنباري ـ أسرار العربيّة ـ لا يشعر بالملل والسّأم الذي يساور من يقرأ أكثر تلك الكتب المشار إليها ، والمدوّنة في ذلك العصر وما قبله ، وما بعده ؛ لأنّها محشوّة بالغريب ، متّسمة بالتّعقيد ، متّصفة بكثرة الاستطرادات التي تجعل القارىء بعيدا عن التّركيز والاستيعاب.
وخلاصة القول : إنّ كتاب «أسرار العربيّة» كتاب متميّز في موضوعه ، متميّز في طريقة عرضه لمادّته ، متميّز ، في وضوحه ، وسهولته ، متميّز في حاجة المبتدئين والمتخصّصين إليه ـ على حدّ سواء ـ نظرا لأهميّته. ويمكن أن يكون هذا الكتاب وما شابهه باكورة فنّ جديد يمكن أن يطلق عليه اسم :
«الفلسفة النّحويّة» قوامه البحث في العلل النّحوية وتأويلاتها وتمحيصها وبيان الرّاجح من المرجوح من حجج النّحاة ، وإبداء الرّأي في تلك العلل ، وبيان الأسس التي قامت عليها ، وهل هي أسس منطقيّة أو لغويّة في ضوء الدّراسات اللّغويّة المعاصرة. ويكون لهذا الفنّ من الفائدة ما فيه على طريق توحيد المصطلحات النّحويّة ، وإزالة الخلافات القائمة بين أصحاب المذاهب النّحويّة بعد اعتماد الرّاجح ، وتجاوز المرجوح ، ولا سيّما ونحن نسعى إلى خدمة لغتنا ، وتسهيل سبل تعلّمها وإتقانها على مختلف الأصعدة.
[١] أسرار العربيّة ، ص ٢١٩.
[٢] أسرار العربيّة ، ص ٧٣.
[٣] أسرار العربيّة ، ص ١٠٥.
[٤]الحريريّ : هو القاسم بن عليّ الحريريّ البصريّ ولد سنة ٤٤٦ ه ؛ من آثاره : ملحة الإعراب ، وشرح ملحة الإعراب ، ودرّة الغواص في أوهام الخواص ، والمقامات ، وغيرها. مات سنة ٥١٦ ه. نزهة الألبّاء ٣٨١ ، وإنباه الرّواة ٣ / ٢٧.