أسرار العربيّة - ابن الأنباري - الصفحة ١٩٨ - الباب التّاسع والثّلاثون باب «حتّى»
طرفي الشّيء ، فلا يتصوّر أن يكون طرف الشّيء من غيره ، فلو قلت : «جاء الرجال حتى النّساء» لجعلت النّساء غاية للرجال ومنقطعا [١] لهم ، وذلك محال.
والوجه الثّالث : أن تكون حرف ابتداء ك «أمّا» ؛ نحو : «ضرب القوم ، حتّى زيد ضارب ، وذهبوا ، حتى عمرو ذاهب» قال الشّاعر [٢] : [الطّويل]
|
فما زالت القتلى تمجّ دماءها |
بدجلة حتّى ماء دجلة أشكل [٣] |
وقال الآخر [٤] : [الطّويل]
|
مطوت بهم حتى تكلّ ركابهم |
وحتى الجياد ما يقدن بأرسان [٥] |
[لا محلّ من الإعراب للجمل بعد حتّى]
فإن قيل : فهل يكون للجملة بعدها موضع من الإعراب / أولا / [٦]؟ قيل : لا يكون للجملة بعدها موضع من الإعراب ؛ لأنّ الجملة إنّما يحكم لها بموضع من الإعراب إذا وقعت موقع المفرد ، نحو [٧] أن تقع وصفا ؛ نحو / قولك / [٨] : «مررت برجل يكتب» أو حالا ؛ نحو : «جاءني زيد يضحك» أو خبر مبتدأ ؛ نحو : «زيد يذهب» وإذا [٩] لم تقع ـ ههنا ـ موقع المفرد فينبغي ألّا يحكم لها بموضع من الإعراب ؛ فهذه الأوجه الثّلاثة التي في «حتّى» ، وقد تجتمع كلّها في مسألة واحدة ؛ نحو قولهم : «أكلت السّمكة حتّى رأسها ، وحتى رأسها ، وحتّى رأسها» بالجرّ ، والرّفع ، والنّصب ، فالجرّ على أن تجعل / «حتّى» / [١٠] حرف
[١] في (ط) ومقطعا.
[٢] الشّاعر : جرير بن عطيّة ، وقد سبقت ترجمته.
[٣] المفردات الغريبة : تمجّ دماءها : تقذف دماءها. أشكل : ما خالط بياضه حمرة.
موطن الشّاهد : (حتّى ماء أشكل).
وجه الاستشهاد : وقوع «حتّى» حرف ابتداء ، وما بعدها جملة اسميّة ؛ ومجيئها على هذا النّحو كثير شائع.
[٤] الشّاعر : امرؤ القيس.
[٥] المفردات الغريبة : تكلّ : تتعب.
موطن الشّاهد : (وحتّى الجياد).
وجه الاستشهاد : وقوع «حتّى» حرفا زائدا في البيت ؛ لأنّ المعنى : أجدّ بأصحابي السّير حتى تتعب المطيّ ، وتتعب الخيل ، فلا تحتاج إلى شدّ أرسانها.
[٦] سقطت من (ط).
[٧] في (ط) يجوز.
[٨] زيادة من (س).
[٩] في (س) فإذا. (١٠) سقطت من (ط).