أبوذر الغفاري رمز اليقظة في الضمير الإنساني - الفقيه، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٧٩ - أبوذرّ وَالتّشيُّع في جَبل عَامِل
وكانوا يزيدون ويكثرون بالتدريج حتى بلغوا ألفا وأكثر. ثم في زمن عثمان ، لما أخرج أبا ذر الى الشام ، بقي أياما ، فتشيع جماعة كثيرة ، ثم أخرجه معاوية الى القرى ، فوقع في جبل عامل ، فتشيعوا من ذلك اليوم [١] الى آخر ما ذكره.
بعد هذا العرض ، يتضح لنا أن هذا متفق عليه ، لا مكان للغموض فيه. ولكن يمكننا النقاش في عملية الطرح لهذا المضمون ، فنقول :
مما لا شك فيه ، أن أبا ذر (رض) هو أول من بذر هذه البذرة الطيبة في جبل عامل ( قرى الشام ) بفضل إقامته فيها. ولكن إقامته الطويلة الأمد التي استغرقت من عمره سنوات ، والتي كان مرتاحا فيها ـ على الاقل ـ بادئ الامر ، كما قدمنا ، لا منفيا. هذا أولا.
وثانيا : انه أقام أولا في قرى الشام خلال هذه المدة الطويلة. بدليل قوله « كنت في ثغر من ثغور المسلمين أغني عنهم .. » راجع ص ٦٨. والثغر لا يعني قلب العاصمة ، بل على العكس ، يعني حدود المنطقة التي يمكن للعدو أن ينفذ منها. ثم بعد ذلك ـ يمكننا القول ـ بأن معاوية حين خشي منه أن يفسد الناس عليه ، جلبه الى الشام ليكون تحت رقابته ، ورقابة جلاوزته. فلما رأى انه لايكف عن ذلك ، كتب فيه الى عثمان.
أما القول بأن معاوية ، نفاه الى قرى الشام أولا ، ثم جلبه اليه ، فبعيد جدا ، ولا يتلائم مع دهاء معاوية وحذره. إذ كيف يعقل أن ينفيه معاوية من الشام بسبب اثارته الناس عليه ، وهو فيها تحت قبضته وسلطانه ، الى قرى
[١] جبل عامل في التاريخ ج ١ / ٤٩ الى ٥٤.