أبوذر الغفاري رمز اليقظة في الضمير الإنساني - الفقيه، الشيخ محمد جواد - الصفحة ١١٦ - معَارضَة أبي ذرّ
يظهر هذا من قول ابي ذر له : « نصحتك فاستغششتني ، ونصحت صاحبك ـ يعني معاوية ـ فاستغشني » [١].
لكن الطرف الثاني ، كان يعير لهذه النصائح أذنا صمَّاء. ويتمادى في سياسته تلك غير آبه ولا مكترث بما يجري من حوله. واذا أراد أن يجيب في بعض الاحيان ، فانه يرمي من ينصحه ، بالكذب والافتراء تارة ، وبتدبير المكائد وشق عصا الامة ، تارة أخرى ! الى غير ذلك مما يبعث في نفس الناصح نوعا من الشعور باليأس ، والاشمئزاز ، والفشل في مهمته الاصلاحية ، فيجعله مضطرا للمجاهرة بقول الحق ، في كل مناسبة. وكل مكان ، بوحي من ضرورة وجوب : الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو من ركائز الاسلام ومقوماته.
وهذا ما حصل فعلا لأبي ذر مع عثمان حين أمعن بالاستمرار في سياسته.
لقد جاهر أبو ذر (رض) بمعارضته للولاة والمقربين ، وكشف أوراقهم ، غير خائف ولا مكترث.
وفي هذه المرحلة ، نرى أبا ذر (رض) قد اتصف بصفة مميزة عن باقي الصحابة حول هذا الامر. يصح لنا تسميتها بصفة : الاقحام. فهو في دوره هذا ينسى نفسه بعض الاحيان ، فيتحرر من الذات وعلائقها ، ومن كل تقاليد محيطه ، ويقحم نفسه ليحرر كلمته ، فكانت المناسبات منبرا له ، منبرا حرا غير مقيد بزمان ولا بمكان ، وكانت كلمته ، الكلمة الجريئة التي لا تعرف الوجل ، ولا الرياء ، ولا المداهنة. كان يقولها في الطرقات وفي الشوارع وبين الناس ، وعلى أبواب قصر الخضراء ، يقولها ، حفاظا لعهد رسول الله (ص) وحيطة على الاسلام.
[١] شرح النهج ٨ / ٢٥٩.